ابن تيميه

61

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وجائز أيضا زيارة قبر الكافر لتذكر الموت . ولكن شاع لفظ الزيارة في المعنى الأول عند كثير من المتأخرين ، ولم يكن هذا معروفا في السلف ، وما صاروا يفهمون من إطلاق اللفظ بزيارة قبور الأنبياء والصالحين ، إلا أنها زيارة لقبورهم لعظم قدرهم وجاههم ، وعلوّ منزلتهم عند اللّه ، كما تزور النصارى قبور من يعظّمونه ، وكما يتوجّهون إلى صورته المصورة ويتشفعون به . ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون وينصرون ، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه . ويقولون عمن يعظّمونه : إنه خفير البلد الفلاني ، كما يقولون : السيدة نفيسة « 1 » خفيرة مصر القاهرة ، وفلان وفلان خفراء دمشق أو غيرها ، وفلان خفير حرّان أو غيرها ، وفلان وفلان خفراء بغداد أو غيرها .

--> ( 1 ) هي : نفيسة بنت الحسن بن زيد بن السيد سبط النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، الحسن بن علي بن أبي طالب . زوجة الشريف إسحاق بن الإمام جعفر بن محمد الصادق . ولدت بمكة سنة خمس وأربعين ومائة ( 145 ) ونشأت بالمدينة ، ثم انتقل بها زوجها إلى مصر ، وتوفيت فيها سنة ثمان ومائتين ( 208 ) . كانت صالحة زاهدة عابدة ، من الصوّامات القوّامات ، رضي اللّه عنها وأرضاها . انظر ترجمتها في : « وفيات الأعيان » ( 3 / 210 - 211 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 10 / 106 - 107 ) و « العبر » ( 1 / 355 ) و « البداية والنهاية » ( 10 / 262 ) و « النجوم الزاهرة » ( 2 / 185 ) و « شذرات الذهب » ( 2 / 21 ) القديمة و ( 3 / 42 ) - ابن كثير - . قال الحافظ الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ( 10 / 106 ) : « ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف ، ولا يجوز مما فيه من الشرك ، ويسجدون لها ، ويلتمسون منها المغفرة ، وكان ذلك من دسائس العبيدية » . وقال الحافظ ابن كثير - رحمه اللّه - في « البداية والنهاية » ( 10 / 262 ) : « وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا ، ولا سيما عوام مصر ، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك ، وألفاظ ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز ، وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين وليست من سلالته ، والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات . وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها ، وقد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بتسوية القبور وطمسها . والمغالاة في البشر حرام ، ومن زعم أنها تفك من الخشب ، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة اللّه فهو مشرك ، رحمها اللّه وأكرمها » . ملاحظة : قال الحافظ الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ( 10 / 107 ) : « وقيل : كانت من الصالحات العوابد ، والدعاء مستجاب عند قبرها ، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين » ! قلت : وهذا ما لا دليل عليه شرعا ، ومحلّ هذا ؛ التشريع ، لأن الدعاء عبادة ؛ ولم يثبت هذا عن نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا عن السلف بعده . وقد نبّه العلّامة المتقن الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه اللّه تعالى - أن للحافظ الذهبي بعض الزلّات في كتابه « سير أعلام النبلاء » وخاصة في ما يتعلّق بأمور توحيد العبادة ، والتوسل ، والاعتقاد في الأولياء ، والكمال للّه وحده . ولا يعني هذا التنقّص من الحافظ الذهبي ؛ فلا واللّه ، ولكن « كل بني آدم خطّاء » ، ومن ذا يسلم من الخطأ . فلعلّ اللّه ييسّر لنا إخراج هذه الأخطاء وبيانها ، واللّه أعلم .