ابن تيميه
62
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ويظنون أن البلاء يندفع عن هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور الصالحين أو الأنبياء . ثم قد يكون في البلد من قبور الصحابة والتابعين من هو أفضل من ذلك الذي جعلوه خفيرا ، كما أن فيهم من الصحابة والتابعين وغيرهم من هو أفضل من نفيسة بكثير . وبدمشق من الصحابة والتابعين من هو أفضل من بعض من يجعلونه خفيرا ، أو يقصدون الدعاء عند قبره ، كرابعة في باب الصغير ، وكرسلان التركماني وغيرهم . وقد نزل عدو كافر بالبلد فتمثّل له الشيطان بصورة ذلك الخفير ، وأنه يضربه بعكازه أو غيره ، ويقول : ارحل من عندي ، فيرحل ذلك الملك الكافر لما رآه ، فيظن أولئك أن نفس الشيخ الميت أو سرّه أتاه فدفع عنه . وفي المدفونين بالبلد من هو أفضل من ذلك بكثير . وهذا مما لم يكن معروفا على عهد الصحابة والتابعين ، ولكن حدث بعدهم . ومن أقدم ما روي في ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السّلمي « 1 » قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت عبد اللّه بن موسى الطّلحي يقول : سمعت أحمد بن العباس يقول : خرجت من بغداد هاربا منها ، فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة فقال لي : من أين خرجت ؟ فقلت : من بغداد ، وهربت منها لما رأيت فيها من الفساد ، خفت أن يخسف بأهلها . فقال : ارجع ولا تخف ، فإن فيها قبور أربعة من أولياء اللّه ، هم حصن لها من جميع البلايا . قلت : من هم ؟ قال : الإمام أحمد بن حنبل ، ومعروف الكرخي ، وبشر بن الحارث الحافي ، ومنصور بن عمار الواعظ . فرجعت ولم أخرج . وهذا الشخص الذي قال هذا هو مجهول لا يعرف ؛ وقد يكون جنيا وقد يكون إنسيا . فإن الجن كثيرا ما يتصورون في صورة الإنس . ويقول أحدهم : لن ينفرد به في البرية أنا النبي فلان ، أو الشيخ فلان ، أو الخضر . ومثل هذا كثير معروف تطول حكاية آحاده فإنها لا تحصى لكثرتها . وهؤلاء قد يظنّون أن وجود النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم مقبورا بينهم مثل وجوده في حياته ، واللّه تعالى يقول : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] . وهذا غلط عظيم ؛ فقد روى الترمذي : حدّثنا سفيان بن وكيع ،
--> ( 1 ) قال العلّامة المعلّمي : « هو محمد بن الحسين الصوفي ( 325 - 412 ) تكلّموا فيه حتى رمي بأنه كان يضع » اه . انظر ترجمته في : « تذكرة الحفاظ » ( 3 / 1046 - 1047 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 17 / 247 ) و « العبر » ( 3 / 109 ) و « البداية والنهاية » ( 12 / 12 - 13 ) و « شذرات الذهب » ( 3 / 196 ) - القديمة - و ( 5 / 67 ) - ابن كثير - و « النجوم الزاهرة » ( 4 / 256 ) .