ابن تيميه

57

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلّت عليه السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه ، والسفر إليها لغير مسجده ؛ كالسفر لأجل مسجد قباء ، أو لزيارة القبور التي فيها ؛ قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وقبور من فيها من السابقين الأوّلين وغيرهم رضوان اللّه عليهم أجمعين . وظهر أنه إذا نهي عن السفر إلى ما يستحبّ لأهل المدينة إتيانه بلا سفر كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع ؛ فالنهي عما يكره لأهل المدينة إتيانه أولى وأحرى . واللّه سبحانه خصّ رسوله بما خصّه به تفضيلا له وتكريما لما يجب من حقّه على كل مسلم في كل موضع ، فإن اللّه أوجب الإيمان به ومحبته وموالاته ونصره وطاعته واتباعه على كل أحد في كل مكان ، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان ، ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان ، ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به قدر نعمة اللّه به على أهل الأرض ، وأن اللّه لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إرسال محمد صلى اللّه عليه وسلّم إليهم ، وأنه هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين « 1 » ، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه « 2 » . إلى غير ذلك من حقوقه المبسوطة في غير هذا الموضع « 3 » . وكل هذه مشروعة في جميع البقاع ليس منها شيء يختصّ بالقبر ولا بما هو قريب من القبر . ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق عند القبر أفضل من قيامهم بها في بلادهم ، بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان . ومن قام بها عند القبر وفتر عن القيام بها في بلده ، كما يوجد في بعض الناس يوجد من محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده وطريقه . وهذه حالة منقوصة غير محمودة ، وصاحبها منحوس الحظ ، ناقص النصيب ، وهو ناقص الدين والإيمان ؛ إما بترك واجب يأثم بتركه ، وإما بترك مستحبّ تنقص درجته بتركه ، بخلاف من منّ اللّه عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه للرسول في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم . فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة وهي حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة ، ولا يعرف عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه

--> ( 1 ) كما في « صحيح البخاري » ( 15 ) ومسلم ( 44 ) من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . ( 2 ) كما في « البخاري » ( 6632 ) من حديث عبد اللّه بن هشام ، قال : كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال له عمر : يا رسول اللّه ؛ لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا نفسي . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا والذي نفسي بيده ؛ حتى أكون أحبّ إليك من نفسك » . فقال له عمر : فإنه الآن واللّه لأنت أحبّ إليّ من نفسي . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الآن يا عمر » . قال الحافظ في « فتح الباري » ( 11 / 536 ) : « أي الآن عرفت فنطقت بما يجب » . ( 3 ) انظر في ذلك « حقوق النبي صلى اللّه عليه وسلّم على أمته » للدكتور محمد بن خليفة التميمي . طبع دار أضواء السلف بالرياض .