ابن تيميه
58
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ودعاؤه وثناؤه عند القبر . ولهذا لم يكونوا يأتونه ، لأن قيامهم بما يجب من حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء . وقد نهى عن تخصيص القبر بذلك وأن يتخذوه عيدا ومسجدا لأنه مظنة أن يتخذ وثنا ويفضي إلى الشرك ، ومظنّة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا تلك البقعة بمزيد القيام ، كما أن المشاعر لما خصّت بالعبادات ؛ فالمؤمن تجد إيمانه فيها أعظم من إيمانه في غيرها ، والرسول صلى اللّه عليه وسلّم حقه في جميع البقاع سواء ، ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال ، ولهذا إذا اعتبرت أحوال الناس كان من يعظم الميت عند قبره مقصّرا في حقوقه التي أمر بها في سائر البقاع بحسب ما زاد عند القبر . وهذا أمر مطّرد معروف من جميع أحوال الناس . ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع ؛ كانوا أبعد الناس عن تخصيص القبر بشيء ، والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم بحقوقه من غيرهم لم يفعلوا ما فعله ابن عمر ونحوه ، فأبوه عمر كان أقوم بحقه صلى اللّه عليه وسلّم منه وكان ينهى أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه ، خلاف ما فعله ابنه عبد اللّه مع فضله ودينه رضي اللّه عنهم أجمعين . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا أن قول القائل : « من حرّم السفر إلى زيارة قبره وسائر القبور فقد جاهر الأنبياء بالعداوة ، وأظهر لهم العناد » . يستلزم أن يكون كذلك إمامه مالك ؛ بل وإمام غيره من المسلمين ، فإنه من أجل أئمة المسلمين وهو أحد أئمتنا الكبار ، فإن جميع أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة لنا رضي اللّه عنهم أجمعين . فإنه قد صرّح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجاهل أكثر من تصريح غيره . [ قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أجل وأعظم أن يزار كسائر القبور ] الوجه الثاني : من الجواب : أن قول القائل : إن الناهي عن السفر لزيارة القبور ؛ قبور الأنبياء وغيرهم ، قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد ، إنما يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة ؛ هي من باب خضوع الزائر للمزور وذلّه وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر المزور ، وجاهه عند اللّه وقربه إليه . فإذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا كان النهي عن ذلك تنقيصا لهم وغضا من أقدارهم ، كالذي يزور معظّما في الدين أو الدنيا ، زيارة خاضع له متواضع له متبرك به . فإذا قيل له : هذا لا ينبغي زيارته ، أمكن أن يقال : هذا تنقص لقدره وخفض من منزلته . والزيارة التي جاءت بها الشريعة وذكرها الأئمة من قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم وفعله ليست من هذا النوع ، بل مقصودها الدعاء للميت ، كالصلاة على جنازته . وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرا من المزور ، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم أعظم قدرا من كل من زار قبره ؛ كأهل