ابن تيميه

46

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

ولعن أهل الكتاب على فعله تحذيرا لأمته ؛ ففي الصحيح أنه قال قبل أن يموت بخمس : « إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » . وفي الصحاح من غير وجه أنه قال في مرض موته : « لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذّر ما فعلوا » قالت عائشة : « ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكن كره أن يتخذ مسجدا » . فمقابر الأنبياء والصالحين لا يجوز اتخاذها مساجد بالسنة الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم واتفاق أئمة المسلمين على ذلك ، من كره الصلاة في المقبرة ومن لم يكره ؛ فإن الذين لم يكرهوها قالوا : سبب الكراهة هو نجاسة التراب ، فإذا كان طاهرا لم يكره . وأما اتخاذ القبور مساجد بسبب تعظيم صاحب القبر حتى يتّخذ قبره وثنا . وهذه علة أخرى علل بها طوائف من المسلمين من فقهاء المدينة والكوفة وفقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم ، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع . بل صاحب الشرع صلى اللّه عليه وسلّم الذي حرم هذا السفر يلزم هذا المفتري الجاهل أن يكون مجاهرا للأنبياء بالعداوة والعناد ، بل المساجد غير الثلاثة نهى عن السفر إليها . وأما إتيانها بلا سفر للصلاة والدعاء فمن أعظم العبادات ، والعبادات والقربات تكون واجبا تارة ومستحبا أخرى . وأما قبور الأنبياء والصالحين فلا يستحبّ إتيانها للصلاة عندها ، والدعاء عند أحد من أئمة الدين ، بل ذلك منهيّ عنه في الأحاديث الصحيحة كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء ، ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يزور أهل البقيع . وأما قبره خصوصا فحجب الناس عنه ومنعوا من الدخول إليه ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تتخذوا قبري - وفي رواية بيتي - عيدا ، وصلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » « 1 » وكذلك قال في السلام عليه . واللّه أمر بالصلاة والسلام عليه مطلقا ، وذلك مأمور به في جميع البقاع لا يختص قبره باستحباب ذلك ، بل هو مستحبّ مشروع في جميع البقاع ، وتخصيص القبر بذلك منهي عنه . فالذين نهوا عن هذا السفر إنما نهوا عنه طاعة للّه ورسوله فهم قاصدون بذلك طاعة اللّه واتباع رسوله ، ولو كانوا مخطئين لم يكن القاصد لطاعة الأنبياء معاديا لهم لا سرا ولا جهرا ، ولا معاندا لهم ، بل موجبا لطاعتهم والإيمان بهم ، ومواليا لهم ومسلما لحكمهم ، ولو كان مخطئا فإن هذا كان قصده ، فكيف يجعل معاديا لهم لا سيما مع أنه مصيب موافق لهم باطنا وظاهرا ؟ ولو قدّر أن المجيب حرّم زيارة القبور مطلقا سفرا وغير سفر فهذا قول طائفة من السلف مثل الشعبي والنخعي وابن سيرين ، كما ذكر ذلك عنهم غير واحد ، منهم ابن بطّال في « شرح البخاري » . وهؤلاء من أجلّ علماء المسلمين في زمن التابعين باتفاق المسلمين ، ويحكى قولا في مذهب مالك . ومن قال ذلك لم يكن معاديا للأنبياء لا

--> ( 1 ) تقدم تخريجه .