ابن تيميه
47
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
سرا ولا جهرا ، ولا معاندا لهم لا باطنا ولا ظاهرا . ومن قال عن علماء المسلمين الذين اتفق المسلمون على إمامتهم إنهم كانوا معاندين للأنبياء ؛ فإنه يستحق عقوبة مثله . ولا خلاف بين المسلمين أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان قد نهى عن زيارة القبور أولا ، فكان ذلك محرما في أول الإسلام ، وقد اعترف هذا المعترض بذلك . فهل يقال : إن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لما حرم زيارة القبور كان مجاهرا للأنبياء بالعداوة مظهرا لهم العناد ؟ ! وكذلك سائر الشرع المنسوخ ؛ ليس فيه معاداة للأنبياء ولا معاندة لهم ، لا سرا ولا جهرا ، فإن اللّه لم يشرع معاداة أنبيائه ولا معاندتهم قط ، بل الإيمان بجميع الأنبياء كالتوحيد لا بد منه في كل شرعة ، ودين الأنبياء واحد ، كما في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد » « 1 » . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً الآية إلى قوله : وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [ المؤمنون : 51 ، 52 ] . قال عامة المفسرين : على ملة واحدة وعلى دين واحد « 2 » . وقد قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ إلى قوله : وَلَتَنْصُرُنَّهُ [ آل عمران : 81 ] . فأمر متقدّمهم أن يؤمن بمتأخرهم كما أمر متأخرهم أن يؤمن بمتقدمهم . فكل ما شرع في وقت لا يكون مقصوده معاداة للأنبياء ، كما لا يكون مقصوده شركا ، فإن اللّه لم يشرع الشرك قط ، ولا شرع معاداة الأنبياء قط ، لكن من تمسك بالمنسوخ مع علمه بأنه منسوخ يكون مكذبا ، ثم معاداة الأنبياء ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم . [ لا يوجد في الكتاب ولا في السنة دليل على استحباب زيارة قبور الأنبياء ] فأين في كتاب اللّه وسنة رسوله أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبورهم أو قبور غيرهم ، حتى يكون مخالف ذلك مخالفا لذلك النص ؟ ولو قدّر أنه خالف نصا لم يبلغه ، أو رجح غيره عليه ؛ لم يكن ذلك معاداة لهم ولا معاندة ، ولكن الجهال وأهل الضلال يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق ، وأنها من الإيمان بهم . أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم ، وتعظيم أقدارهم وجاههم عند اللّه ، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه ؛ إما بشفاعتهم له ، وإما لمجرد عظم قدرهم عند اللّه ، يعطى سؤله إذا دعاهم ، وإما أن
--> ( 1 ) أخرج نحوه البخاري ( 3443 ) ومسلم ( 2365 ) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلّات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد » . ( 2 ) انظر « فتح القدير » للشوكاني ( 3 / 573 ) ، وفيه : « وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : « إن هذه أمتكم أمة واحدة » . قال : « إن هذا دينكم دينا واحدا » .