ابن تيميه

211

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

تقتل ولدك خشية أن يطعم معك » . قلت : ثم أي ؟ قال : « أن تزاني بحليلة جارك » « 1 » . وأنزل اللّه تصديق ذلك : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [ الفرقان : 68 ] الآية وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] . ومعلوم أن الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد اللّه ، ولأنهم أمروا بتوحيده وعبادته ، وبلّغوا أمره ونهيه ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] وقال تعالى : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ الزخرف : 45 ] . فالغلاة في المخلوقين كالنصارى ونحوهم من أهل البدع صاروا بغلوّهم مشركين ، قال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ] وقال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [ النساء : 171 ] إلى قوله : فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً [ النساء : 172 ] . ومعلوم أنه إذا فرض ذنبان أحدهما : الشرك والغلو في المخلوق . والثاني : نقص رسول من بعض حقه ، كمن يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول اللّه ، ومعلوم أن نجاته ورفعه إلى السماء أعظم قدرا من أن يسلّط العدو عليه حتى يصلب ، فلو نقصه رجل ذلك واعتقد أنه صلب ، ولم يعلم أن القرآن نفى صلبه ؛ كان هذا الخطأ دون خطأ من غلا فيه وأشرك به . ولو قال قائل : إنه لا تشرع زيارة القبور بحال لا بسفر ولا غير سفر ، وقال آخر : بل يشرع السفر إليهم لدعائهم والتضرع لهم كما يفعله المشركون وأهل البدع ؛ لكان هذا الشرك أعظم خطأ وضلالا من ذلك النقص . فالشرك عند اللّه أعظم إثما ، وصاحبه أعظم عقوبة ، وأبعد من المغفرة من المتنقّص لهم عن كمال رتبتهم ، فإنه إذا كان كلاهما كافرا ، فكفر المشركين أعظم . وكل شرك باللّه فهو تكذيب للرسل وتنقّص بهم ، وليس كل من كذّب بعض ما جاءوا به يكون مشركا كافرا ، مثل كثير من أهل الكتاب ، فالشّرك أعظم الذنوب . وهؤلاء الجهال المضاهون للنصارى غلوا في التخلّص من النقص حتى وقعوا في الشرك والغلوّ وتكذيب الرسول الذي هو أعظم إثما ، كما أصاب النصارى ، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار ، وكان ما فرّوا إليه من الشرك والغلوّ وتكذيب الرسل وتنقّصهم ، أعظم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4477 ) - انظر أطرافه هناك - ومسلم ( 86 ) .