ابن تيميه
212
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
إثما وعقابا مما فروا منه مما ظنوه تنقصا ، ولو فروا مما هو نقص لبعض أقدارهم فوقعوا في الشرك كان ما فروا إليه شرا مما فروا منه . والدين الحق دين الإسلام ؛ عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وتصديق رسله كما يدلّ عليه قولنا : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . واللّه سبحانه جمع بين هذين الأصلين في غير موضع ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 21 ، 22 ] الآية . فبدأ بالتوحيد ثم قال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] الآية . وفي أول آل عمران قال : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ آل عمران : 2 ] ثم قال : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [ آل عمران : 3 ، 4 ] فذكر التوحيد أولا ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتاب . وفي سورة القصص قال : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [ القصص : 62 ، 63 ] إلى قوله : ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 65 ] فذكر مناداتهم لتحقيق التوحيد أولا ، ثم مناداتهم ما ذا أجابوا المرسلين ، وذكر تبرّي المعبودين من العابدين ، ثم قال : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إلى قوله : ما كانُوا يَفْتَرُونَ [ القصص : 75 ] فذكر هناك اعتراف المشركين بالتوحيد ، وهنا اعتراف المعبودين ، وذكر في سورة يونس نظير ما في البقرة ، فقرّر التوحيد أولا ثم النبوة ، فقال بعد قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ [ يونس : 28 ] إلى قوله : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [ يونس : 32 ] وذكر أنه ليس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا . ثم قال : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [ يونس : 37 ] إلى قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 38 ] فقرّر النبوة ثم تحدّاهم بالمعارضة ، ليبين عجزهم وعجز جميع الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله ، وأنه إنما أنزله اللّه . وكذلك سورة هود افتتحها بقوله : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود : 1 ] إلى قوله : ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [ هود : 3 ] وافتتحها بذكر الكتاب ، فإنه الداعي إلى التوحيد ، فإن هذه نزلت بمكة ولم يكونوا مقرّين بالتوحيد بخلاف آل عمران فإنها من أواخر ما نزل ؛ نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر ، والخطاب مع النصارى ، وكانوا مقرّين بالتوحيد ، لكن ابتدعوا شركا وغلوا واتبعوا المتشابه ، من جنس الذين يحجّون إلى القبور ويتخذونها أوثانا ، ولهذا لما ذكر آية التحدي في هؤلاء قال : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] إلى قوله : مُسْلِمُونَ [ هود : 14 ] وأظهر عجزهم وإن القرآن منزل من اللّه بالإيمان بالكتاب والرسول وبالتوحيد قال : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ هود : 14 ] وقوله بعلمه أي نزل متضمنا لعلمه أخبر فيه بعلمه كما قال : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ