ابن تيميه
210
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
أمتي السلام » . فصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة ، وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدا لئلّا يتّخذ قبره وحدثنا ومسجدا ، بخلاف قبور سائر المؤمنين ، فإنه إذا دعي لأحدهم عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتّخذ وحدثنا ومسجدا إلا إذا اتّخذ مسجدا . فلهذا نهى عن اتّخاذ القبور قبور الأنبياء والصالحين مساجد . فتبين أن الذي يجعل ما أمر اللّه به ورسوله تنقيصا إنما هو لجهله وشركه وضلاله ونقص علمه وإيمانه بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو المنقّص للرسول الطاعن عليه ، الذام لما جاء به الآمر بما نهى عنه ، الناهي عما أمر به ، المبدّل لشريعته ، وهو أحق بالكفر والقتل ، فإنه إن كان المخطئ المخالف للرسول صلى اللّه عليه وسلّم في هذه المسألة كافرا يجب قتله ؛ فلا ريب أنه المخالف ، فيكون كافرا مباح الدم . وإن كان المخطئ معذورا لأنه لم يقصد مخالفة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وإنما خفيت عليه سنته ، واشتبه عليه الحق ؛ لم يكفّر ولم يقتل واحد منهما ، لكن المخالف له أقرب إلى الكفر وحلّ الدم ، فإما أن يكون الموافق له المتبع لسنته الآمر بما أمر به الناهي عما نهى عنه كافرا مباح الدم ، والمخالف له المبدل لدينه الطاعن في شريعته المعادي لسنته المعادي لأوليائه المبلّغين لسنته معصوم الدم ؛ فهذا تبديل الدين وقلب لحقائق الإيمان ، وهو فعل أهل الجهل والطغيان ؛ كالنصارى وعبّاد الأوثان . الوجه الحادي عشر : أن يقال : الذين يأمرون بالحج إلى القبور ودعاء الموتى والاستغاثة بهم والتضرّع لهم ، ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى المساجد الثلاثة أو أفضل منه ؛ هم مشركون من جنس عبّاد الأوثان ، قد جعلوا القبور أوثانا . وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . فقبره لا يمكن أحد أن يصل إليه حتى يتخذه وحدثنا ، وإنما يصل إلى مسجده ، لكن يقصد المسافر إليه أن يتخذه وحدثنا كقبر غيره ، أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك ، بخلاف قبور غيره فإن فيها ما اتّخذ أوثانا ، وقد ثبت بل استفاض عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد ، ونهى أمته عن ذلك ، فإذا كان من اتخذها مسجدا يصلّي فيه للّه تعالى ويدعو اللّه ملعونا ؛ فالذي يقصدها ليدعو فيها غير اللّه ويتضرّع فيها لغير اللّه ويخضع ويخشع فيها لغير اللّه أحق باللعنة ، وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح . ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون لذلك . فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرا بالشرك باللّه واتخاذ أنداد من دونه ، آمرا بما حرّم اللّه ورسوله ولعن فاعله . والشرك أعظم الذنوب ، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال : قلت يا رسول اللّه أي الذنب أعظم ؟ قال : « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك » . قلت : ثم أي ؟ قال : « أن