ابن تيميه
21
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فصل [ بداية الرد على المعترض ] قال المعترض : « أما بعد ؛ فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عنه من نسخة فتياه ظهر لي - من صريح ذلك القول وفحواه - مقصده السيئ ومغزاه ، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها » . فيقال : هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل ، والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذّابين المردودي الشهادة ، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة . وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد ، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد . فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم . وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور البتة ، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم ، ولا كان السؤال عن هذا ، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور ، وذكر قوليّ العلماء في ذلك . والمجيب قد عرفت كتبه ، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور ، وفي جميع مناسكه ، يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ، ويذكر زيارة قبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم إذا دخل مسجده ، والأدب في ذلك ، وما قاله العلماء ، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية ، ولا حكاه عن أحد ، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب ؛ أن زيارة القبور مستحبّة بالإجماع ، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا وهو نزاع مرجوح ، والصحيح أنها مستحبة ، وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور ، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية ، ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها ، لكن قال : إذا كان السفر إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان : قول من يقول إنه معصية ، وقول من يقول إنه ليس بمحرّم ؛ بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب ، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع ، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرما بالإجماع . فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ،