ابن تيميه
22
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » « 1 » . هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته على قولين ، وعامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى القبور . فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي ، كالسفر إلى الطور الذي كلّم اللّه عليه موسى وغيره ، وإن كان اللّه سمّاه الوادي المقدّس وسمّاه البقعة المباركة ونحو ذلك ، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة ، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهيّ عنه ، وأن قوله : « لا تشدّ الرحال » نهي بصيغة الخبر ، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي ، من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى » « 2 » . فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه ، فإن لفظه صلى اللّه عليه وسلّم صريح في النهي ، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد ، سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب ، وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة ؛ فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى ، أو كان بطريق شمول اللفظ ، فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بينوا عمومه لغير المساجد ، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة : من أين أقبلت ؟ قال : من الطّور . فقال : لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت . سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد : إلى المسجد الحرام ، وإلى مسجدي هذا ، وإلى مسجد إيليا » ، أو قال : « بيت المقدس » « 3 » . وقال أبو زيد عمر بن شبّة النميري « 4 » ، في كتاب « أخبار المدينة النبوية » « 5 » : حدّثنا هشام بن عبد الملك ، حدّثنا عبد الحميد بن بهرام ، حدّثنا شهر بن حوشب ، سمعت أبا سعيد
--> ( 1 ) حديث صحيح متواتر ، مروي عن جمع من الصحابة ، منهم : علي بن أبي طالب ، وأبو هريرة ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن عمرو ، وغيرهم . وانظر تخريج الحديث في « إرواء الغليل » ( 773 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1188 ، 1197 ، 1864 ، 1995 ) ومسلم ( 827 ) من حديث أبي سعيد الخدري . ( 3 ) أخرجه مالك في « الموطأ » 5 - كتاب الجمعة . ( 7 ) باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة ( 1 / 68 / 16 ) وأحمد ( 6 / 7 ) والنسائي ( 3 / 114 ) بإسناد صحيح . ( 4 ) هو : عمر بن شبّة بن زيد النميري البصري ، نزيل بغداد ، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة ، وتوفي سنة اثنتين وستين ومائتين . كان من رواة التاريخ والحفاظ للحديث . انظر « تاريخ بغداد » ( 11 / 208 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 12 / 369 ) . ( 5 ) هذا هو الصواب في اسم الكتاب ، لا كما جاء على لوحة الكتاب المطبوع « تاريخ المدينة » وقد حقّق هذا الشيخ بكر أبو زيد في « طبقات النسابين » ص 66 . والشيخ مشهور بن حسن آل سلمان في « كتب حذر منها العلماء » ( 1 / 57 ) .