ابن تيميه
196
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » . فقولهم كقول مالك يوجب التحريم إلى ما سوى الثلاثة من زيارة القبور وغيرها . وأما ابن بطة فإنه ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع « البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها » فذكر ذلك أيضا عموما ، وقوله : وشدّ الرحال إلى زيارتها يبين أن هذا الشد داخل عنده في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » كما أن تجصيصها داخل في نهيه صلى اللّه عليه وسلّم عن تجصيص القبور . وليس هؤلاء القائلون بالتحريم بدون أولئك ، بل هم أجلّ قدرا وأحق بمنصب الاجتهاد من أولئك ، فإن مالكا إمام عظيم . ثم قوله : هذا قد وافقه عليه أصحابه مع كثرتهم وكثرة علمائهم ، وقوله الذي صرح فيه بالنهي عن الوفاء بالنذر لمن نذر إتيان قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق مقررا له ، وهو أولى بمنصب الاجتهاد من أولئك وهو أعلم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ممن خالفه من أصحاب الشافعي وأحمد ، فإن المخالفين فيها مثل أبي المعالي والغزالي ونحوهما ، وهؤلاء ليس فيهم عند أصحاب الشافعي من له وجه في مذهب الشافعي فضلا عن أن يكون مجتهدا بخلاف أبي محمد الجويني والد أبي المعالي فإنه صاحب وجه في مذهب الشافعي . وكان يقال : لو جاز أن يبعث اللّه نبيا في زمنه لبعثه في علمه ودينه وحسن طريقته ، وابنه أبو المعالي إنما تخرّج به وهو معظّم لوالده غاية التعظيم ؛ ولكن قول أبي المعالي مأثور عن الشيخ أبي حامد وأبي علي بن أبي هريرة وهما من أصحاب الوجوه ، ولهذا كان في المسألة وجهان ، وقد وافق فيها ابن عبد البر وطائفة ، ولكن مالك وجمهور أصحابه مع من وافقهم من السلف والأئمة أجلّ قدرا من المخالفين لهم . وقد تقدم أن مالكا وأصحابه ينهون عن الوفاء بنذر ذلك وأنه من نذر إتيان المدينة أو بيت المقدس لغير الصلاة في المسجد ؛ لم يجز له الوفاء بنذره ، لأن السفر لغير المسجد منهي عنه ، سواء سافر لزيارة ما هناك من قبور الصالحين أو غير ذلك . وابن بطة العكبري من أعلم الناس بالسنة والآثار وأتبعهم لها ، ومن أزهد الناس ، وهو معروف بأن دعاءه مستجاب . وقد رأى النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم في منامه الحسين بن علي الجوهري أخو أبي محمد الجوهري الحسن فقال : يا رسول اللّه قد اشتبهت علينا المذاهب . فقال : عليك بهذا الشيخ يعني ابن بطة ، فانحدر إلى عكبرا فلما رآه أبو عبد اللّه تبسم ، وقال : صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « 1 » . وعلمه بالسنة وزهده ودينه غاية . وأبو الوفاء بن عقيل مبرّز في زمانه تعظمه الطوائف كلها لبراعته وفطنته وفهمه ، وهو أعلم بالفقه والكلام والحديث ومعاني القرآن من أبي حامد ، وهو في الدين من أحسن
--> ( 1 ) « سير أعلام النبلاء » ( 16 / 530 ) .