ابن تيميه
197
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
الناس دينا . ولكن أبا حامد دخل في أشياء من الفلسفة هي عند ابن عقيل زندقة ، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة . وابن عقيل يزن كلام الصوفية بالأدلة الشرعية أكثر مما يزنه أبو حامد « 1 » . ففي الجملة من عرف أقدار العلماء تبين له أن القائلين بالتحريم للسفر إلى غير المساجد الثلاثة ؛ القبور وغيرها ، هم أجل قدرا عند الأمة من القائلين بالجواز . والذين سماهم المجيب سمّى من حضره قوله وقت الجواب من هؤلاء وهؤلاء ، ولم يتعرض لتفضيل أحد الصنفين ، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء على عادة العلماء ، فإن الأحكام الشرعية تقوم عليها أدلة شرعية فيمكن معرفة الحق فيها بالعلم والعدل . وأما تفضيل الأشخاص بعضهم على بعض ففي كثير من المواضع لا يسلم صاحبه عن قول بلا علم واتباع لهواه ، فللشيطان فيه مجال رحب . والمجيب لم يتعرّض لذلك ، ولو قدّر أن المنازع واحد فالاعتبار في موارد النزاع بالحجة ، كما قال تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النساء : 59 ] . وقول هذا المعترض : - أنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى ، المشتهرين بالزهادة والتقوى ، الذين لا يعتدّ بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم - . كلام باطل ، صدر عن متكلّم بلا علم ، توغّل في الجهل فليس في الأمة من هو بهذه الصفة بل هذا من خصائص الرسول ، فهو الذي لا يعتدّ بخلاف من سواه ، وكل من سوى الرسول يؤخذ من قوله ويترك ، كما نقل ذلك عن مالك قال : كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر . ولو قيل مثل هذا في الأئمة المجتهدين كالأربعة كان منكرا من القول وزورا . فلو قال قائل : الأئمة الأربعة لا يعتدّ بخلاف من سواهم ، فإذا خالفهم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ونحوهم ، أو خالفهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح ، أو خالفهم ابن عمر أو ابن عباس أو أبو هريرة وعائشة ونحوهم لم يعتد بخلافهم لكان هذا منكرا من القول وزورا . فكيف يقال لبعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ، وهم قد خالفوا شيوخهم ؛ إن هؤلاء لا يعتدّ بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم ؟
--> ( 1 ) « لأن ابن عقيل أعلم بنصوص السنة من أبي حامد » ( م ) .