ابن تيميه

195

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

ثم يقال ثانيا : هب أن الذين نقل عنهم الجواز أفضل أهل الأرض فالمجيب ؛ ذكر القولين وذكر حجة كل واحد من نصر الجواز سوغ له المجيب ذلك ، فإنه قد قاله جماعة من العلماء لكن هؤلاء المعارضون خرقوا إجماع الطائفتين وقالوا : إنه يستحبّ السفر لمجرد زيارة القبور ، فقالوا : إنه يستحب السفر إلى غير المساجد الثلاثة ، وعلى ذلك فيجب بالنذر على قول الجمهور الذين يوجبون الوفاء بنذر الطاعة كمن نذر السفر إلى المدينة وبيت المقدس ، وهو قول مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه . فهؤلاء خرقوا إجماع الطائفتين وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع ، وحتى سعوا في عقوبة من قال يقول إحدى الطائفتين ، إما الجواز وإما التحريم ، بل استحلوا تكفيره والسعي في قتله ، فهؤلاء من أعظم أهل البدع والضلال كالخوارج والروافض ، وأمثالهم من الجهال الذين يخالفون السنة وإجماع السلف ، ويعادون من قال بالسنة وإجماع السلف لشبه باطلة كأحاديث مفتراة وألفاظ مجملة لم يفهموها . ويقال ثالثا : المجيب سمى من المجوزين ثلاثة : أبو حامد الغزالي من أصحاب الشافعي ، وأبو الحسن بن عبدوس وأبو محمد المقدسي من أصحاب أحمد ، وسمى من المانعين ؛ أبا عبد اللّه بن بطة وأبا الوفاء بن عقيل ولكن ليس هذا قولهما فقط بل هو قول مالك . صرح بذلك في قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم وغيره ، وهؤلاء ذكروا ذلك على وجه التعميم . قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه المشهور المسمى بالفصول وبكفاية المفتى : فصل : فإن سافر إلى زيارة المقابر كهذه المشاهد المحدثة كمشهد الكوفة وسامرّاء وطوس والمدائن وأوانا « 1 » ، كقبر مصعب بن عمير وطلحة والزبير بالبصرة ، بينه وبينها مسافة القصر ، لم يستبح رخصة السفر لأن شد الرحال نحوها منهي عنه لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » . والنهي يمنع أن يكون هذا سفرا شرعيا ، والترخّص بما نهي عنه لا يجوز . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد » والميزة معتبرة بالشرع ، قال : « فإن سافر أحد إلى أحد هذه المواضع في تجارة أو زيارة نظرت ، فإن كان قصده التجارة والزيارة تابعة جاز القصر ، وإن كان أكثر قصده الزيارة وكان قصده لهما متساويا فلا يستبيح ذلك لأنه سفر منهي عنه أشبه سفر المعصية » . فابن عقيل ذكر المنع من السفر إلى القبور عموما ، لكن احتج بحجة مالك : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » . وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي صرّحوا بتحريم السفر إلى غير الثلاثة عموما ، لأجل الحديث ، وهو قوله

--> ( 1 ) « بالفتح والنون ؛ بليدة كثيرة البساتين والشجر ، نزهة من نواحي دجيل بغداد ، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ » ( م ) .