ابن تيميه
194
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فصل [ الرد على المعترض فيما افتراه على أئمة المسلمين في أنهم يجوّزون السفر إلى زيارة القبور ] وأما قول المعترض : « إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى ، المشتهرين بالزهادة والتقوى ، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم ، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم ، ونقل عدم الجواز - إن صح نقله - عن من لا يعتمد عليه ، ولا يعتدّ بخلافه ، ولا يعرّج عليه ، بل هو ملحق بصاحب هذه المقالة في الخطأ والطغيان والجراءة على مرتبة النبيين الموجبة للخسران » . فيقال : أولا : قائل هذا هو إلى التعزير والتأديب والأمر بتعلم العلم وأن يقال له : تعلم ثم تكلم ؛ أحوج منه إلى أن يناظر ويردّ عليه ، فإنه لا يعرف قدر العلماء ولا يعرف ما قاله مالك وهو إمام الأمة في زمنه ، ولا يعرف ما قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . وكلامه يقتضي أن مالكا وأمثاله ممن لا يعتمد عليه ولا يعتدّ بخلافه ، وأنه من أهل الخطأ والطغيان ، وأهل الجراءة على النبيين الموجبة للخسران ، ومعلوم أن من قال هذا في علماء المسلمين كمالك ونحوه استحق العقوبة البليغة . فإن هذا قول يلزم منه أن مالكا وأمثاله من الأئمة هم من الذين جاهروا بالعداوة للأنبياء وأظهروا لهم العناد ، وأن فيهم جراءة على مرتبة النبيين توجب الخسران ؟ ومعلوم أن هذا من أعظم الافتراء عليهم والاجتراء . ثم إنه قال ذلك فيما اتبعوا فيه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وأطاعوا فيه أمره ونهيه ، ونهوا عما نهى وأمروا بما أمر ، فصار حقيقته أنه من أطاع اللّه ورسوله ونهى عما نهى عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ؛ كالسفر إلى غير المساجد الثلاثة هو كافر معاند للأنبياء . ومعلوم أن من قال مثل هذا فإنه يستتاب فإنه تاب وإلا قتل ، وإذا لم يعرف أن قوله يتضمن هذا ويستلزمه عرّف ذلك ويبين له ، فإن أصرّ استحق العقوبة ، ولو عرف أن هذا يلزم قوله لكان كافرا مرتدا ، لكنه جاهل لم يعرف أن هذا يلزم قوله ، فإنه لم يعرف مذهب مالك ولا غيره من الأئمة في مسألة النزاع ، ولا عرف ما فيها من الأدلة الشرعية ، ولا تدبّر ما ذكره المجيب ؛ بل تكلّم بظنه وهواه ، وأعرض عن سبيل الهدى الذي بعث اللّه به رسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، قال تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى [ النجم : 23 ] .