ابن تيميه
193
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وتسليم عليه وغير ذلك ، ولهذا لم تكن الصحابة والتابعون بالمدينة إذا دخلوا المسجد وخرجوا يقفون عند قبره لا لصلاة ولا دعاء ولا سلام ولا غير ذلك . وقد ذكر أهل العلم مالك وغيره أن هذا يكره ، ولم يكن السلف يفعلونه ، وإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها . ومعلوم أنه لو كان الإتيان إلى عند القبر مستحبا لأهل المدينة لكان الصحابة والتابعون أعلم بذلك وأتبع له من غيرهم . ومالك وأمثاله ممن أدرك التابعين من أعلم الناس بمثل هذا ، وقد ذكر أنه لم يبلغه عن أحد من صدر هذه الأمة من أهل المدينة أنه كان يقف عند القبر لا لسلام ولا لغيره . وذكر مالك أن ذلك يكره إلا عند السفر ، لما نقل عن ابن عمر ، وقد كره مالك وغيره أن يسمي هذا زيارة لقبره . وحينئذ فيقال : أهل المدينة يكره لهم ما تسمّيه أنت زيارة لقبره ، فلم يبق هذا مشروعا بلا سفر حتى يقال : إن السفر إليه وسيلة إلى المستحب ، وإنما استحبه مالك وأحمد وغيرهما لمن سافر لأجل المسجد ، فإذا صار في المسجد فيفعل ذلك ، بل المستحب لأهل المدينة لا يستحب السفر له بل إذا سافر إليها فعله ، فإذا صار بالمدينة زار أهل البقيع وشهداء أحد وزار مسجد قباء ، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك ، فما لا يستحب لأهل المدينة أولى أن لا يستحبّ السفر إليه . وابن عمر إنما كان يقف عند القبر ويسلم إذا قدم من سفر وقدومه لم يكن لأجل الزيارة بل كانت المدينة وطنه ، فيدخل المسجد فيصلي فيه ثم يسلم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم .