ابن تيميه
189
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
بالنهي ، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة ، وأن اللّه سماه الوادي المقدس ، والبقعة المباركة ، وكلّم اللّه موسى هناك . وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجدا ، فإنه ليس هناك قرية للمسلمين وإن كان هناك مسجد . فإذا نهي الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد ، فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى ، وهذا ظاهر لا يخفى على أحد . فالصحابة الذين سمعوا الحديث من النبي صلى اللّه عليه وسلّم فهموا منه النهي ، وفهموا منه تناوله لغير المساجد ، وهم أعلم بما سمعوه ، وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا ، ذكر ما تنازع فيه الأئمة المشهورون أو غيرهم وما لم يتنازعوا فيه ، فإن بين الطرفين اللذين لم تتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة فيها نزاع ، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، ويفعلون ذلك ، ويعظّمونه ، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم وتجعل خلافا على من قبلهم من أئمة المسلمين ؟ هذا مما يجب النظر فيه . وأيضا فالذين قالوا : السفر إليها جائز ليس بمحرّم ولا مكروه ؛ قد يفهم منه أنه مستحب ، لأن الذين يفعلون ذلك إنما يفعلونه لأنه قربة ، فإذا قيل في ذلك إنه جائز ، قد تقولون : نحن قلنا هو جائز مباح ، لم نقل إنه مستحب ، ولا قلنا إن التقرب به جائز ، فمن جعله قربة فقد خالف قولنا الصريح ، فقد يفهم منه أن التقرب بذلك جائز ، لكن قولهم مع ذلك إنه ليس بمستحب ولا فضيلة فيه لأجل الحديث ينفي ذلك ، فلا بدّ لهم من اتباع الحديث ، فصار في قولهم تناقض . وهذا مما احتجّ به عليهم أهل القول بالتحريم . فهذا الجواب على ما ادّعاه من التناقض في نقل الخلاف والإجماع .