ابن تيميه

190

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فصل [ كلام المصنف على حديث النهي عن شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ] وأما قوله : « إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة إليها جائزة فيجوز السفر » . فيقال له : هذا باطل ؛ فليس كل ما كان جائزا أو مستحبا أو واجبا جاز التوسل إليه بكل طريق ، بل العموم يدّعى في النهي ، فما كان منهيا عنه كان التوسل إليه محرما ، ومن هذا سد الذرائع . وأما ما كان مأمورا به فلا بدّ أن يكون له طريق ، لكن لا يجب أن يجوّز التوسل إليه بكل طريق ، بل لو توسّل الإنسان إلى الطاعة بما حرّمه اللّه ؛ مثل الفواحش ، والبغي ، والشرك به ، والقول عليه بغير علم ؛ لم يجز ذلك . فلو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تفضي إلى طاعة ؛ لم يكن له ذلك . وكذلك لو أراد أن يشرك باللّه ببطانه ويقول عليه ما لم يعلم ، نعم يجوز أن يقول بلسانه ما لا يعتقده عند الإكراه ، وأن يستعمل المعاريض عند الحاجة . وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات وأعظم الطاعات ، وهو إما واجب أو سنة مؤكّدة . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة » « 1 » . ولو أراد مع هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلّي هناك جمعة أو جماعة ؛ لم يكن هذا مشروعا ، بل كان محرّما عند الأئمة والجمهور ، ولو نذر ذلك لم يوف بنذره عند أحد من الأئمة الأربعة وعامة علماء المسلمين ، وليس فيه إلا ما حكي عن الليث بن سعد ، مع أن لفظه مجمل . بل ولا يجوز أن يوفي بنذره عند الأكثرين ، كما قاله مالك وغيره ، لقوله : « لا تشدّ الرحال » وقوله في الحديث الصحيح : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه » « 2 » . وقد اتفق العلماء على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ، وإن كان صاحبه يعتقد أنه نذر طاعة ، كما لو نذر ذبح نفسه أو ولده ، لكن تنازعوا فيما إذا نذر ذبح ولده ؛ هل عليه ذبح كبش أو كفارة يمين أو لا شيء عليه ؟ على ثلاثة أقوال مشهورة ،

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) تقدم تخريجه .