ابن تيميه

185

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

ذلك من الصحابة والتابعين . قال أبو حاتم الرازي « 1 » : وهو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم ، كان على القضاء . وقد ذكروا أنه رأى عبد اللّه بن عمر ، وروى عن عبد اللّه بن جعفر ، وفي سماعه منه نظر ، ومات قديما بعد القاسم بن محمد بقليل ، فإن القاسم توفي سنة إحدى وعشرين ومائة وهذا توفي سنة ست وعشرين ومائة ، وقد خرج من المدينة غير مرة تارة إلى الحج ، وتارة كان قد استعمل على الصدقات ، ومرة خرج إلى العراق وإلى واسط ، فروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون ، وهو الذي روى حديث : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد » « 2 » عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وقد أدرك بالمدينة جابر بن عبد اللّه وسهل بن سعد الساعدي وغيرهما من الصحابة ، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة ، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه ، بل قد يخالف ابن عمر فإنه ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره ، بل يكره إتيانه مطلقا ، كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه صلى اللّه عليه وسلّم عن ذلك وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تتخذوا قبري عيدا » . وقال : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد » . كما قد بيّن هذا في مواضع . مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن بحيث كان يختم باليوم والليلة كثيرا . وأبو الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من أهل العلم والدين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك ، وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود أن ما حكى القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب ، بل السفر إلى مسجده وزيارته التي يسميها بعضهم زيارة وبعضهم يكره أن تسمى زيارة على الوجه المشروع سنة مجمع عليها ، كما ذكره القاضي عياض ، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة ؛ كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ، ولا من سافر لمجرد قبره فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية ، فهذا لا يقول أحد أنه مجمع على أنه سنة ، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس . فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية ، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون ، وما قاله أئمة المسلمين ، ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه ، فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها ، لكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه ، ونحو ذلك مما شرعه اللّه في مسجده . ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب ، لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ذلك .

--> ( 1 ) « الجرح والتعديل » ( 4 / 79 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 2697 ) ومسلم ( 1718 ) .