ابن تيميه
186
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فإن قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشدّ الرحال » حديث متفق على صحته وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين ، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه ، فإما أن يكون نهيا وإما أن يكون نفيا للاستحباب . وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحا ، فتعين أنه نهي ، فهذان طريقان لا أعلم فيهما نزاعا بين الأئمة الأربعة . والجمهور والأئمة الأربعة ، وسائر العلماء ؛ لا يوجبون الوفاء بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم أو غير قبورهم ، وما علمت أحدا أوجبه إلا ابن حزم فإنه أوجب الوفاء على من نذر مشيا أو ركوبا أو نهوضا إلى مكة أو إلى المدينة أو بيت المقدس قال : وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء . قال : فإن نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من المساجد غير الثلاثة لم يلزمه . وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال : من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد . وابن حزم فهم من قوله : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » أي لا تشد إلى مسجد . وهو لا يقول بفحوى الخطاب وشبهه ، فلا يجعل هذا نهيا عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى ، بل يقول في قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه » « 1 » أنه لو بال ثم صب البول فيه لم يكن منهيا عن الاغتسال فيه « 2 » . وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب روايتان وهذه إحداهما . وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود يقولون إن قوله : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] لا يدل على تحريم الشتم والضرب . وهذا قول ضعيف جدا في غاية الفساد عند عامة العلماء ، فإنهم يقولون : إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهي أن يبول فيه ثم يغتسل فيه فالذي بال في إناء ثم صبّه فيه أولى بالنهي . كما أنه لما نهي عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروث كان ذلك تنبيها على النهي عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى ، وكل ما نهي عن الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي ، فإنه لا حاجة إلى ذلك . فلهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي ، وإن لم يكن مسجدا ، كما جاء عن بصرة بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم . والصحابة الذين سمعوا هذا الحديث من الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وغيرهم أدخلوا غير المساجد الثلاثة في النهي ، ونهوا أن تشدّ الرحال إلى الطور الذي كلّم اللّه عليه موسى
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 239 ) ومسلم ( 95 ) وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) انظر « المحلى » ( 1 / 166 ) .