ابن تيميه

183

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وقد يقال : هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر ، فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر ، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا يمكنه أن يستقبل الوجه ، فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى الاستقبال ، ويضع يده على الحائط ليعتمد عليها ويكون أبلغ في القرب إلى القبر ، لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية . إلا أن يقال : كان يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار . وبسط هذا له موضع آخر . والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي ، عن عبيد اللّه بن عمر ، غلط فيها وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر ، فإن أيوبا رواه عن عبيد اللّه ، عن عبد اللّه بن عمر خلاف ما رواه إسحاق ، مع أن رواية أيوب عن نافع رواها حماد بن زيد ومعمر وغيرهما . ورواية مالك عن نافع مشهورة ، وكذلك روايته عن عبد اللّه بن دينار ، عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن محمد الفروي . ولا يقال إنه ثقة انفرد بزيادة ، لوجهين : أحدهما : أنه خالف من هو أوثق منه ، كما رواه يحيى بن معين قال : حدّثنا أبو أسامة ، عن عبيد اللّه عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يكره مسّ قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد شيخ العراق في زمنه عند العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في « أماليه » قال : قرأت على عبيد اللّه الزهري حدثك أبوك قال : حدّثنا عبد اللّه بن جعفر ، عن أبي داود الطيالسي ، عن يحيى بن معين ، فذكره . وهذا أبو أسامة يروي عن عبيد اللّه ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يكره مسّ قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر ، كما دلّت عليه سائر الروايات . فلو لم يكن إلا معارضة هذه لرواية إسحاق الفروي وكلاهما عن عبيد اللّه ، لوجب التوقف فيها ، كيف وأبو أسامة أوثق من الفروي ؟ وقد روى ما وافقته العلماء عليه ولم يزد شيئا انفرد به كما في رواية الفروي . الثاني : أن الفروي وإن كان في نفسه صدوقا وكتبه صحيحة ، فإنه أضرّ في آخر عمره فكان ربما حدّث من حفظه فيغلط ، وربما لقّن فيلقّن . ولهذا كانوا ينكرون عليه روايته للحديث على خلاف ما يرويه الناس ، مثل ما روى حديث الإفك على خلاف ما رواه الناس ، وكذلك حديث ابن عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس . وقد روى عنه البخاري في صحيحه . وقال أبو حاتم الرازي : « كان صدوقا وذهب بصره وربما لقن وكتبه صحيحة » وقال مرة : « مضطرب » « 1 » وقال أبو عبيد الآجرّي : سألت أبا داود عنه فوهّاه جدا . وقال النسائي : ليس بثقة . وذكره

--> ( 1 ) « الجرح والتعديل » ( 2 / 233 / 819 ) .