ابن تيميه

180

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

بإجماع المسلمين . فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحبّ سفر أحد إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ولا مسجده ولا قبره ؛ فقد غلط ، فإن هذا لم يقله أحد ، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، فإنهما قولان معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد ، ومالك وجمهور أصحابه يقولون : إن السفر لغير المساجد الثلاثة كقبور الأنبياء وغيرها محرّم حتى قبر نبينا ، كما صرح به مالك ، ونهى الناذر عن الوفاء به . وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزا لا يجب بالنذر ، لكن لو فعله جاز ، واستدلوا بإتيان مسجد قباء . وكذلك طائفة من أصحاب أحمد ؛ كأبي محمد المقدسي ، وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي ، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة . وكذلك أبو حامد الأسفراييني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما . قال أبو المعالي : كان شيخي - يعني أبا محمد الجويني - يفتي بالمنع من شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة . وربما كان يقول : يحرم ، قال : والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة ، وبه قال الشيخ أبو علي . ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة . وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي : إنه لا يجب بالنذر ؛ قال : يحتمل أن يريد به لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا ، ويحتمل أن يريد به لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبا ، فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر ، أو نفي الاستحباب . وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك ، وعليه يدل كلام أحمد . وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي ، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه . والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما ، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم فقال : « واختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة ؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين ، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك ، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا : هو حرام ، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره . قال : والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين ، والمحققون ؛ أنه لا يحرّم ولا يكره » « 1 » . قلت : والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون : إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم كقبور الأنبياء . فقول القاضي عياض : إن زيارة قبره سنة مجمع عليها ، وفضيلة مرغّب فيها ؛ أراد به الزيارة الشرعية ، كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلّي عليه ويسلّم عليه ، كما ذكروه في كتبهم . وقد قال القاضي

--> ( 1 ) انظر « شرح صحيح مسلم » ( 9 / 106 ) .