ابن تيميه
181
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
عياض في هذا الفصل - فصل الزيارة - قال بعضهم : رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة ، فسلّم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثم انصرف . قال : وقال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلّم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ودعا يقف بوجهه إلى القبر ، لا إلى القبلة ، ويدنو ويسلّم ولا يمس القبر بيده . وقال في المبسوط : لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم يدعو ، ولكن يسلّم ويمضي . فهذا مالك لم يستحبّ إلا السلام خاصة ، كما كان ابن عمر يفعل . قال نافع : رأيت ابن عمر يسلّم على القبر ، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول : السلام عليك يا رسول اللّه ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت ، ثم ينصرف . قال مالك في رواية ابن وهب يقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته . قال القاضي عياض : وعن ابن قسط والقعنبي : كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إذا دخلوا المسجد مسّوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون . فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر ، لا من ناحية الحجرة ، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر ، وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك ، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة ؟ وفي مذهب أحمد نزاع . والمشهور عند أصحابه كما قال مالك ، وفي منسك المروزي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي صلى اللّه عليه وسلّم : ولا تستقبل الحائط ، خذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر . وقال : فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصلّ ركعتين ، وودّع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بمثل سلامك الأول ، وسلّم على أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، وحوّل وجهك إلى القبلة ، وسل اللّه حاجتك متوسلا إليه بنبيه صلى اللّه عليه وسلّم تقض من اللّه عزّ وجلّ . فقد نهاه عن استقبال حائط القبر ، وأمره إذا سلّم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد ، وهذا يقتضي أن يسلّم عليهم مستقبل الحجرة ، بحيث يكون مستقبلا للمغرب مستدبرا للمشرق ، والقبلة عن يمينه ، ويسلّم عليه عند رأسه . فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة ، بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك . وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر ، فإنه كان يسلّم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد ، ولم يكن حينئذ يمكن أحد أن يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة ، فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد ، ولا كان منفصلا طريقا ، بل كان متصلا بحجرة حفصة وغيرها . فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه ، بل كانوا يكونون إما مستقبلا أحدهم للقبلة والحجرة النبوية عن يساره ، كما قال أبو حنيفة ، أو يستقبل الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد . وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من