ابن تيميه

175

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وآخرون يسمّون هذا زيارة لقبره صلى اللّه عليه وسلّم ، لكنهم يعلمون ويقولون إنه إنما يصل إلى مسجده . وعلى اصطلاح هؤلاء ؛ من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار قبره صلى اللّه عليه وسلّم الزيارة الشرعية ، لم يكن هذا محرما عند أحد من المسلمين ، بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين ، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه . فالسؤال والجواب كان من جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، كما يفعل أهل البدع ، ويجعلون ذلك حجّا أو أفضل من الحج أو قريبا من الحج ، حتى يروي بعضهم حديثا ذكره بعض المصنّفين في زماننا في فضل من زار الخليل قال فيه : وقال وهب بن منبه : إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج ، فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم ، فإن زيارته تعدل حجة . وهذا كذب على وهب بن منبه . كما أن قوله : « من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على اللّه الجنة » « 1 » . كذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس ، واستنقذ من أيدي النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة ، فإن النصارى نقبوا قبر الخليل وصار الناس يتمكّنون من الدخول إلى الحظيرة . وأما على عهد الصحابة والتابعين - وهب بن منبه وغيره - فلم يكن هذا ممكنا ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه سافر إلى قبر الخليل عليه السلام ، بل ولا قبر غيره من الأنبياء ، ولا من أهل البيت ، ولا من المشايخ ولا غيرهم ، ووهب بن منبه « 2 » كان باليمن لم يكن بالشام ، ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء المتقدمين مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما . وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا . ولكن أهل الضلال افتروا آثارا مكذوبة على الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وعلى الصحابة والتابعين توافق بدعهم ، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره ، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين رضي اللّه عنهما ، أو إلى قبور

--> ( 1 ) تقدم في أول الكتاب . ( 2 ) هو : وهب بن منبه بن كامل بن سيج بن ذي كبار ، أبو عبد اللّه اليماني الصنعاني . مولده سنة أربع وثلاثين . أخذ عن ابن عباس وأبي سعيد وابن عمر وجابر بن عبد اللّه ، وغيرهم . من أقواله : « إذا سمعت من يمدحك بما ليس فيك ، فلا تأمنه أن يذمك بما ليس فيك » . وفاته سنة أربع عشرة ومائة ( 114 ) . ترجمته في : « طبقات ابن سعد » ( 5 / 543 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 4 / 544 ) و « تذكرة الحفاظ » ( 1 / 95 ) و « العبر » ( 1 / 143 ) و « البداية والنهاية » ( 9 / 276 ) .