ابن تيميه

172

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا . وفي الصحيحين أيضا عن عائشة وابن عباس رضي اللّه عنهما قالا : لما نزل برسول اللّه « 1 » صلى اللّه عليه وسلّم طفق يطرح خميصة « 2 » له على وجهه فإذا اغتمّ بها كشفها ، فقال وهو كذلك : « لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذّر ما صنعوا . فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ذلك ، مع أن المساجد إنما تكون لعبادة اللّه ، لكن إذا اتّخذت القبور مساجد للعبادة ؛ صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنا ، فإذا كان قد لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك ، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح ؟ وإذا كان هذا حال من دعا أهل القبور من غير حجّ إليه ، فكيف بمن حجّ إليه أو جعل الحج إليهم أفضل من الحج إلى بيت اللّه ؟ بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به ، ويلبي ويحرم إذا حج إلى آثارهم ، كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف ، وكما حج مرة إلى قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم رجع ولم يحج إلى مكة ، وقال : حصل المقصود بهذا . وهو صلى اللّه عليه وسلّم في مرضه يكرر تحذير أمته فينهاهم علانية في المسجد ، ثم لعن من يفعل ذلك . وهو منزول به في السياق حرصا على هذه الأمة ، وتحذيرا لأمته من مظان الشرك وأسبابه ، إذ كان جماع الدين هو عبادة اللّه وحده ، وأعظم الذنوب الشرك ، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه ، وبيان سعادة أهله ، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله . ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد اللّه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قبل أن يموت بخمس وهو يقول : « إني أبرأ إلى اللّه أن يكون لي منكم خليل ، فإن اللّه قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ولو كنت متّخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك » « 3 » . فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس ولعنه في مرضه من يفعل ذلك ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . وفي لفظ مسلم : « لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . وفي الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها ؛ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة ، ذكرتا من حسنها وتصاوير فيها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إن أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات ؛ بنوا على قبره

--> ( 1 ) « يعني : المرض » ( م ) . ( 2 ) « الخميصة : ثوب خز أو صوف معلّم ، وقيل : لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلّمة » ( م ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2383 ) .