ابن تيميه
173
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
مسجدا وصوّروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة » « 1 » . ذمهم على هذا وهذا ، ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا . وفي صحيح مسلم عن أبي الهيّاج الأسدي « 2 » قال : قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؟ أمرني أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته » « 3 » . فأمره طمس التماثيل ، وتسوية القبور العالية المشرفة . إذ كان الضالون أهل الكتاب أشركوا بهذا وبهذا ؛ بتماثيل الأنبياء والصالحين وبقبورهم . وفي المسند وصحيح ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد » « 4 » . وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تضلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها » « 5 » . وبسط هذا له موضع آخر . ولكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ولا دليل ، بل حجّته من جنس ما ذكره هنا ، أن الزيارة لا بدّ فيها من الحركة والانتقال ، وهذا معلوم لكل أحد ، فقوله والزيارة نفسها قربة ، والوسيلة إلى القربة قربة ؛ هذا مضمون كلامه . ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة ، ومنع من الوسيلة إليها وهو السفر ، ولهذا قال : « فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل ، وما اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل ، لما أبدي لهم عواره ، ولستر عنهم شناره » . وجواب هذا من وجوه : أحدها : أن يقال : أنت المتناقض فيما حكيته عنه ، فإنك في أول كلامك قلت أنه ظهر لك من صريح كلامه وفحواه ؛ مقصده السيئ ومغزاه ، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ، ودعوى أن ذلك معصية محرّمة مجمع عليها . وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقا ، ولا حكى ذلك عن أحد فضلا عن أن يحكيه إجماعا ، لكن هذا قول طائفة من السلف حرّموا زيارة القبور مطلقا ، كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن سيرين ، لكن المجيب لم يذكر هذا القول ، فإنه قول مرجوح ، ولو قدّر أنه حكاه لم يحك الإجماع على التحريم . فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم ، إذ كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك . ثم هناك جعلت المجيب يجوّز الزيارة وينهى عن الوسيلة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 427 ، 434 ، 1341 ، 3878 ) ومسلم ( 528 ) . ( 2 ) « اسمه حيان بن حصين ، كان من خواص علي رضي اللّه عنه ، وولاه القضاء في العراق » ( م ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2240 ) . ( 4 ) تقدم تخريجه . ( 5 ) أخرجه مسلم ( 972 ) .