ابن تيميه
171
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
علي وغيره ؛ إنه شتم عليا وآذاه ، وهم الذين كذّبوا عليّا وخالفوه ، بل خالفوا الرسول الذي به آمن عليّ ، وعمدتهم التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب ، وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب . كالنصارى تارة ينقلون عن المسيح وغيره من الأنبياء أقوالا باطلة ، وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة ، لا تدل على ما ابتدعوه . وهكذا أهل البدع الذين يدعون أهل القبور ويحجّون إليها ويجعلون أصحابها أندادا للّه ، حتى يقول بعضهم : إن الحج إليها أفضل من الحج إلى بيت اللّه . وأهل البدع في القبور أنواع متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع ، لكن عمدتهم إما أحاديث مكذوبة ، وإما ألفاظ مجملة متشابهة ؛ كلفظ زيارة القبور ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور ، وحصل فيها اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهور ، ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه التي ليس في سندها ولا فيما يستدل به من معناها نزاع بين العلماء ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » . ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم وغيره : « لا تشدّوا الرّحال » بصيغة النهي . وهو أيضا مروي عنه من وجوه أخر ، كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولفظه أنه قال : « لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد » « 1 » . فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده ، واتفقوا على وجوب العمل بمعناه . واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور ، ثم تنازعوا هل مراده النهي ، أو مراده نفي الاستحباب والفضيلة ؟ وما اتفقوا عليه كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع . وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلم يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن السفر إلى غير الثلاثة . والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح ، فقال : « لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » وأبو سعيد سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره ، بخلاف رواية أبي هريرة فإنها مطلقة ، وأبو هريرة كان يروي الحديث ، ثم يقول حدّثني فلان ، كما في حديث صوم الجنب ، فقال : حدّثنيه الفضل بن عباس . ومثل ما في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في مرضه الذي لم يقم منه : « لعن اللّه اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » قالت
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .