ابن تيميه

156

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

عن زوجة جده عائشة ، عن ليث . وهذا الليث وزوجة جده مجهولان لأن ليثا غير معروف بضبط ولا عدالة مع غرابتهما ، ونفس المتن باطل . فإن الأعمال التي فرضها اللّه ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة . بل في الصحيحين عنه أنه قال : « لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » « 1 » . فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين ، ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه ، كيف وذاك إما أن يكون مهاجرا إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح ، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلّمون الإسلام ويبلّغونه عنه إلى قومهم ، وهذا عمل لا يمكن أحدا بعدهم أن يفعل مثله . ومن شبّه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه . والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على جنازته ، والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا - كالصلاة عليه والسلام عليه وطلب الوسيلة له - مشروع في جميع الأمكنة لا يختصّ بقبره ، فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة ، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك يمكن فعله في سائر البقاع ، لكن مسجده أفضل من غيره . فللعبادة فيه فضيلة بكونها في مسجده ، كما قال : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » « 2 » . والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في حجرته ، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد ، ولم يتجدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وغير ما شرعه هو لأمته ورغّبهم فيه ودعاهم إليه ، وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه كل ذلك مشروع في مسجده في حياته ، وهي مشروعة في سائر المساجد ، بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصلاة ، وهو صلى اللّه عليه وسلّم قد جعلت له ولأمته الأرض مسجدا وطهورا ، فحيثما أدركت أحدا الصلاة فليصلّ فإنه مسجد ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلّم « 3 » . ومن ظن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد ، وإنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ ، لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين ، وإنما غلط في بعض هذا بعض المتأخرين ، وغاية ما نقل عن بعض الصحابة - كابن عمر - أنه كان إذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلم ، وجنس السلام عليه مشروع في

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3673 ) ومسلم ( 2540 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1190 ) ومسلم ( 1394 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) انظر البخاري ( 335 ، 438 ، 3122 ) ومسلم ( 521 ) .