ابن تيميه
157
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
المسجد وغير المسجد قبل السفر وبعده ، وأما كونه عند القبر فهذا كان يفعله ابن عمر إذا قدم من سفر . وكذلك الذين استحبوه من العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها من أهلها ، أو الوارد والصادر من المسجد من الغرباء ، مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك ، ولا فرّق أكثر السلف بين الصادر والوارد ، بل كلهم ينهون عما نهى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . وقد قال أبو الوليد الباجي : إنما فرّق بين أهل المدينة وغيرها لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة يقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم . وقال : قال صلى اللّه عليه وسلّم : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . وقال : « لا تجعلوا قبري عيدا » ، وهذا الذي ذكره من أوله سواء في النهي . فإن قوله : « لا تجعلوا - أو : لا تتخذوا - بيتي عيدا » نهي لكل أمته ؛ أهل المدينة والقادمين إليها ، وكذلك نهيه عن اتخاذ القبور مساجد وخبره بأن غضب اللّه اشتدّ على من فعل ذلك هو متناول للجميع ، وكذلك دعاؤه بأن لا يتّخذ قبره وثنا عام . وما ذكره من أن الغرباء قصدوا لذلك تعليقا على العلة ضد مقتضاها ، فإن القصد لذلك منهيّ عنه ، كما صرّح به مالك وجمهور أصحابه ، وكما نهى عنه وليس بقربة وإذا كان منهيا عنه لم يشرع الإعانة عليه ، وكذلك إذا لم يكن قربة . وابن عمر رضي اللّه عنهما لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر بل المدينة وطنه ، وكان يخرج عنها لبعض الأمور ثم يرجع إلى وطنه ، فيأتي المسجد فيصلي فيه ويسلّم ، فأما السفر لأجل القبور فلم يعرف عن أحد من الصحابة ؛ بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس فلا يزور قبر الخليل . وكذلك أبوه عمر ومن معه من المهاجرين والأنصار قدموا إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل ، وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر الخليل ولا غيره ، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر كما تقدم . وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل البقيع ، وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن لغيرهم ؛ كاتخاذ بيته عيدا واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا ، وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها والطواف بها ، وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين فإن هذا بإجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء كما نهي عنه أهل المدينة ، ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين ، وبالجملة فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء عليه ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر الواردين أو الصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد . وأما ما كان سؤالا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم . ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين يدعونه مع الغيب ، فلا يختص هذا