ابن تيميه
155
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته ، فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكرا يقر عليه . وأما الذين يزورون القبور فيفعلون عندها من أنواع المنكرات ما لا يضبط ، كما يفعل المشركون والنصارى وأهل البدع عند قبر من يعظّمونه من أنواع الشرك والغلو ، وبحسبك أنه صلى اللّه عليه وسلّم لعن اليهود والنصارى لأجل اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ، فإذا اتّخذ القبر مسجدا فقد لعن صاحبه . ومعلوم أنه لو كان حيا في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات ، وقصد القبر الذي اتخذ مسجدا مما نهى عنه ولعن أهل الكتاب على فعله ، وأيضا فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع ، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظّم للرسول التعظيم التام والمحبة التامة إلا عند قبره ، بل هو مأمور بهذا في كل مكان . فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها ، والسفر إلى القبر لمجرده بالعكس مفسدة راجحة لا مصلحة فيها ، بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة وهناك يفعل من حقوقه ما يشرع كما في سائر المساجد . وهذا مما يبين به كذب الحديث الذي فيه : « من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي » « 1 » . وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي » . وقد رواه عنه غير واحد ، وهو عندهم معروف من طريقه ، وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية حجة في القراءة . قال يحيى بن معين : حفص ليس بثقة . وقال الجوزجاني : قد فرغ منه منذ دهر « 2 » . وقال البخاري : تركوه . وقال مسلم بن الحجاج : متروك . وقال علي بن المديني : ضعيف الحديث ، وتركته على عمد . وقال النسائي : ليس بثقة ولا يكتب حديثه . وقال مرة : متروك . وقال صالح بن محمد : لا يكتب حديثه ، وأحاديثه كلها مناكير . وقال زكريا الساجي : يحدث عن سماك وغيره ، أحاديثه بواطيل . وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث . وقال أبو حاتم : لا يكتب حديثه ، هو ضعيف لا يصدق متروك الحديث . وقال الحاكم أبو أحمد : ذاهب الحديث . وقال الدارقطني ضعيف . وقال ابن عدي : وعامة أحاديثه عمن يروي عنه غير محفوظة . وقد رواه الطبراني في « المعجم » من حديث الليث بن بنت ليث بن أبي سليم ،
--> ( 1 ) تقدم تخريجه والكلام عليه . ( 2 ) « أحوال الرجال » ترجمة رقم ( 174 ) .