ابن تيميه
154
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه ، ولو كان هذا مثل هذا كان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه ، ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل . وأيضا فالسفر إليه في حياته ؛ إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح ، فيكون المسافر إليه مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا من المهاجرين إليه ، وهذا السفر انقطع بفتح مكة قال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية » « 1 » . ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجرا أمره أن يرجع إلى مكة ، وكذلك سائر الطّلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا . وإما أن يكون المسافر إليه وافدا إليه ليسلّم عليه ويتعلّم منه ما يبلّغه قومه ؛ كالوفود الذين كانوا يفدون إليه - لا سيما سنة عشر - سنة الوفود . وقد أوصى في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال : « أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفود بنحو مما كنت أجيزهم » « 2 » . ومن الوفود وفد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين ، لكن هؤلاء أسلموا قديما قبل فتح مكة ، وقالوا : لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ، وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم ، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد . وكان السفر إليه في حياته لتعلّم الإسلام والدين ولمشاهدته وسماع كلامه ، وكان خيرا محضا ، لم يكن أحد من الأنبياء والصالحين عبده في حياته بحضرته ، فإنه كان ينهى من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي فكيف بالشرك ؟ كما نهى الذين سجدوا له ، والذين صلّوا خلفه قياما ، وقال : « إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم ، فلا تفعلوا » رواه مسلم « 3 » . وفي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال : « لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك » « 4 » . وفي الصحيح أن جارية قالت عنده : وفينا نبي يعلم ما في غد فقال : « دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين » « 5 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3077 ) ومسلم ( 1864 ) من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3053 ، 3168 ، 4431 ) ومسلم ( 1637 ) من حديث ابن عباس ، ضمن حديث طويل وفيه : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم » . ( 3 ) في « صحيحه » برقم ( 413 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 3 / 132 ، 134 ، 151 ، 250 ) والبخاري في « الأدب المفرد » ( 946 ) والترمذي ( 2754 ) . وهو حديث صحيح : انظر « الصحيحة » ( 358 ) و « الأدب المفرد » بتحقيق الشيخ الألباني ( ص 334 - 335 ) . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 5147 ) .