ابن تيميه
153
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فصل [ خلط المعترض بين زيارة الأحياء وبين زيارة القبور ] قال المعارض المناقض : وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في اللّه ولفظ الحديث : « إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد اللّه على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخا لي في تلك القرية . قال : هل لك عليه من نعمة تربها ؟ قال : لا ؛ إلا أني أحببته في اللّه . فقال : إني رسول اللّه إليك فإن اللّه أحبك كما أحببته فيه » « 1 » . وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : أي عن اللّه « وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ » « 2 » . قال : « فقد علمت أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الإخوان وما أعد اللّه بها للزائرين من الفضل والإحسان ، فكيف بزيارة من هو حي الدارين وإمام الثقلين الذي جعل اللّه حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته ؟ ومن شرّفه الحق بما أعطاه من جميل صفاته ، ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم ، وعصمنا به من الشيطان الرجيم ، ومن هو آخذ بحجزنا أن نقتحم في نار الجحيم ، ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ؟ » . والجواب : أما زيارة الأخ الحيّ في اللّه كما في الحديث فهذا نظير زيارته في حياته يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون ، وأما جعل زيارة القبر كزيارته حيا كما قاسه هذا المعترض فهذا قياس ما علمت أحدا من علماء المسلمين قاسه ، ولا علمت أحدا منهم احتج في زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلّم بالقياس على زيارة الحي المحبوب في اللّه . وهذا من أفسد القياس . فإنه من المعلوم أنه من زار الحيّ حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه ، وليس رؤية قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2567 ) . ( 2 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 2 / 354 ) - 51 - كتاب الشعر - ( 5 ) باب ما جاء في المتحابين في اللّه . وصحّح إسناده الحافظ ابن عبد البر - رحمه اللّه تعالى - .