ابن تيميه

152

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

مالك ، فهذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلا عن إجماعهم عليه ، وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة اللّه وحده وطاعة له ولرسوله وبر وتقوى وقيام بحق الرسول ، وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها لئلا يلتبس هذا بهذا ، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين ، لكن إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، وقد تقدم عن مالك وغيره أنه إذا نذر إتيان المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد يوف بنذره وإلا لم يوف بنذره ، وأما إذا نذر إتيان المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة ، فلم يجعل إلى المدينة سفرا مأمورا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد ، وهو الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره ، لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » . وجعل من سافر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفرا منهيا عنه لا يجوز أن يفعله وإن نذره ، وهذا قول جمهور العلماء ، فمن سافر إلى مدينة الرسول أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور أو من آثار الأنبياء والصالحين ؛ كان سفره محرما عند مالك والأكثرين ، وقيل : إنه سفر مباح ليس بقربة ، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد ، وهو قول ابن عبد البر ، وما علمنا أحدا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب ، فدعوى من ادّعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر . وكذلك إن ادّعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم ، أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب ، وكذلك إن ادّعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين ، وإن قال : إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدّق في ذلك ، وهو بعد أن يعرف صحة نقله ؛ نقل قولا شاذا مخالفا لإجماع السلف مخالفا لنصوص الرسول ، فكفى بقول فسادا أن يكون قولا مبتدعا في الإسلام مخالفا للسنة والجماعة لما سنّه الرسول ولما اجتمع عليه سلف الأمة وأئمتها ، والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك ، فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب ، وأقل ما في الباب أنه يجعل ممن طولب بصحة نقله والألفاظ المجملة التي يقولها طائفة قد عرف مرادهم . وعياض نفسه الذي ذكر أن زيارته سنة مجمع عليها قد بين الزيارة المشروعة في ذلك ، وقد ذكر عياض في قوله : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » ما هو ظاهر مذهب مالك أن السفر إلى غيرها محرّم ، كما قاله مالك فهو أيضا يقول إن السفر لمجرد زيارة القبور محرم ، كما قاله مالك وسائر أصحابه مع ما ذكره من استحباب الزيارة الشرعية ومع ما ذكره من كراهة مالك أن يقول القائل : زرت قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم .