ابن تيميه
151
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
البدع التي لم يفعلها الصحابة ، وأن ذلك منهي عنه لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . وقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تتخذوا قبري عيدا » . وإذا كانت هذه الزيارة مما نهي عنها في الأحاديث فالصحابة أعلم بنهيه وأطوع له ، فلهذا لم يكن بالمدينة منهم من يزور قبره باتفاق العلماء ، وهذا الوقوف الذي يسميه غير مالك زيارة لقبره الذي بين مالك وغيره أنه بدعة لم يفعلها الصحابة ؛ هي زيارة مقصود صاحبها الصلاة والسلام ، كما بين ذلك في السؤال لمالك ، لكن لما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم ، فإن صلاتكم تبلغني » . وروي مثل ذلك في السلام عليه ؛ علم أنه كره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام ، بل يصلّي عليه ويسلّم في جميع المواضع وذلك واصل إليه . فإذا كان مثل هذه الزيارة للقبر بدعة منهيا عنها فكيف من يقصد ما يقصده من قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم ويستغيث بهم ليس قصده الدعاء لهم . ومعلوم أن هذا أعظم في كونه بدعة وضلالا ، فالسلف والخلف إنما تطابقوا على زيارة قبره بالمعنى المجمع عليه من قصد مسجده والصلاة فيه كما تقدم ، وهذا فرق بينه وبين سائر قبور الأنبياء الصالحين ، فإنه يشرع السفر إلى عند قبره لمسجده الذي أسّس على التقوى ، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين والصلاة مقصورة فيه باتفاق المسلمين . ومن قال : إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة ؛ فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وليس ذلك سفرا لمجرد القبر ، بل لا بد أن يقصد إتيان المسجد والصلاة فيه ، وإن لم يقصد إلا القبر فهذا يندرج في كلام المجيب ، حيث قال : أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة ؟ على قولين معروفين فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرّد قصد زيارة القبور ، وأما من سافر لقصد الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين ، وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إن كان أراد مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم فليأته وليصل فيه ، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل ، للحديث الذي جاء : « لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد » . فالسائل سأله عن من نذر أن يأتي إلى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ففصّل مالك في الجواب بين أن يريد القبر أو المسجد ، مع أن اللفظ إنما هو نذر أن يأتي القبر ، فعلم أن لفظ إتيان القبر وزيارة القبر والسفر إلى القبر ونحو ذلك يتناول من يقصد المسجد ، وهذا مشروع يتناول من لم يقصد إلا القبر ، وهذا منهي عنه كما دلّت عليه النصوص وبينه العلماء مالك وغيره . فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد بحيث لا يقصد المسافر المسجد ولا الصلاة فيه ، بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها