ابن تيميه

140

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

كما استحب ذلك مالك وغيره ، ولكن يقال فما حدّ ذلك القرب ؟ وإذا جعل له حدّ فهل يكون من خرج عن الحدّ فعل المستحب ؟ وآخرون من المتأخّرين يستحبّون التباعد عن الحجرة ، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي رضي اللّه عنهم ، فهل هو بذراع أو باع أو أكثر ؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربع أذرع ، فإنهم قالوا : يكون حين يسلم عليه يستقبل القبلة ، ويجعل الحجرة عن يساره ولا يدنو أكثر من ذلك . وهذا واللّه أعلم قاله المتقدمون لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه ليس المقصود سلام التحية الذي يرد جوابه المسلم عليه ، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد ، ولا يستقبل به القبلة ، ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد ، وبالجملة فمن قال إنه يسلّم سلام التحية الذي يقصد به الرد فلا بد له من أن يحدّ مكان ذلك ، يقال : إلى أين يسمع ويرد السلام ؟ فإن حدّ في ذلك ذراعا أو ذراعين أو عشر أذرع أو قال : إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من دليل ، والأحاديث الثابتة منه فيها : « أن الملائكة يبلغونه صلاة من يصلي عليه ، وسلام من يسلم عليه » ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه صلى اللّه عليه وسلّم ذلك ، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حدّ . ومعلوم أنه ليس في ذلك حدّ شرعي ولا أحد يحدّ في ذلك حدا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق . وأيضا فذلك يختلف بارتفاع الأصوات وانخفاضها ، والسّنة في السلام عليه خفض الصوت ، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك ، بخلاف المسلّم من الحجرة فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته ، فإن المسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في المسجد ، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة ، وهذا بخلاف السلام الذي أمر اللّه به ورسوله الذي يسلم اللّه على صاحبه كما يصلي على من يصلّي عليه ، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر . وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء ، وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به ، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم . ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذّاب وإما ضعيف سيئ الحفظ ونحو ذلك ، كما قد بيّن في غير هذا الموضع ، وهذا الحديث الذي فيه : « ما من رجل يسلم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » قد احتج به أحمد وغيره من العلماء ، وقيل : هو على شرط مسلم ، ليس على شرط البخاري ، وهو معروف من حديث حياة بن شريح المصري ؛ الرجل الصالح الثقة عن أبي صخر ، عن يزيد بن عبد اللّه بن قسيط ، عن أبي هريرة . وقد أخرج مسلم حديثا بهذا الإسناد وأبو صخر هذا متوسط . ولهذا