ابن تيميه
141
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
اختلف فيه عن يحيى بن معين ، فمرة قال : هو ضعيف ، ووافقه النسائي ، ومرة قال : لا بأس به ، ووافقه أحمد . فلو قدّر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه ، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث . ولو أريد إثبات سنة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفا فيه ، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه . ومسلم روى بهذا الإسناد قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد » « 1 » . وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة رضي اللّه عنهما من غير هذا الطريق . ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به ، وهذا معروف منه في عدة رجال ، يفرّق بين من يروي عنه ما هو معروف من رواية غيره ، وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به ، ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط مسلم أو البخاري كما بسط هذا في موضعه . الوجه الثامن : أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة والتابعين بالمدينة ولو كان ذلك معروفا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة - مالك وغيره - أن يقول القائل : زرت قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فلما كرهوا هذا القول دلّ على أنه ليس عندهم فيه أثر ، لا عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا عن الصحابة رضي اللّه عنهم . الوجه التاسع : أن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلّم إنما هو سفر إلى مسجده ، ولو لم يقصد إلا السفر للقبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد ، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم . وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع ، وبهذا يظهر أن قول الذين كرهوا أن يسمي هذا زيارة لقبره صلى اللّه عليه وسلّم قولهم أولى بالصواب ، فإن هذا ليس زيارة لقبره ولا فيه ما يختص بالقبر ، بل كل ما يفعل فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها ، وفي غير المساجد أيضا . ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر ، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده ، وعبادة في مسجده ، ليس فيها ما يختص بالقبر ؛ كان قول من كره أن يسمّي هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة ، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده ، وهذا مشروع بالنص
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 945 )