ابن تيميه
136
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
غيره ، كما في الصحيحين عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي أم المؤمنين قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم معتكفا فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ثم قمت فانقلبت ، فقام معي ليقلبني « 1 » - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - ، فمرّ رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى اللّه عليه وسلّم أسرعا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « على رسلكما ؛ إنها صفية بنت حيي » فقالا : سبحان اللّه يا رسول اللّه . فقال : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا ، أو شيئا » « 2 » . ففي هذا الحديث أن مسكنها كان في دار أسامة بن زيد وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قام معها ليقلبها إلى مسكنها ، وأنه مرّ به رجلان من الأنصار ، ولو كان منزلها متصلا بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك ، فإن المسجد لم يكن فيه ما يخافه ، ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها ، والرجلان مرّا به في الطريق لم يكن مرورهما في المسجد ، فإن المسجد لم يكن طريقا بالليل ، ولو رأياه في المسجد لم يحتج أن يقول ما قال ، بل رأياه ومعه امرأة خارجا من المسجد ، فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئا من الظن السيّئ فيهلكا بذلك . وأما ما ذكروه من أن عثمان زاد في المسجد من جهة الشام مع أنه لم يأخذ شيئا من جهة الحجر فعلم أن من الحجر ما لم يكن ملتصقا بالمسجد ، فإن الناس بنوا دورهم متصلة بالمسجد قبل أن يتزوج جويرية وصفية وغيرهما ، ولم يكن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ليزاحم أحدا في داره ، فكان يتخذ الحجرة شامي المسجد وإن لم تكن متصلة به ، ولهذا ذكروا أن عثمان زاد من جهة الشام خمسين ذراعا ولم يأخذ شيئا من الحجر ، بل الوليد زاد على ذلك بأخذ الحجر ، فكانت الحجر كما ذكروا من ناحية الشرق مع الاتصال ، وحجرة حفصة شرقية وقبلية ، فإن حجرة عائشة هي التي كانت مسامتة لم تتقدم المسجد ، وأما حجرة حفصة فكانت فاضلة عن المسجد من مقدمه ، ولهذا زادوها مع الزيادة في المسجد ، وكذلك الحجر التي كانت في الشام كانت شرقية وشامية ، لكن الشامي لم يكن ملتصقا بالمسجد فلهذا قال من قال ؛ كانت الحجرة من قبلية وشرقيه ولم يذكر الشام ، وذكر آخرون أن منها ما كان من الشام ولا منافاة بين القولين ، فإن صاحب القول الأول أراد ما يتصل بالمسجد ، وما كان شام المسجد بقليل كان شرقية أيضا فكانت هذه شرقية شامية ، ومن قال شامية فمعناه أنها من جهة شام الشرق وإن لم تكن متصلة بالمسجد ، فكثير من الروايات من هذا الباب قد ظن بها تناقضا فإن كانت متناقضة فما ناقض الصحيح فهو باطل ، وإن كان المعنى متفقا فلا تناقض ، وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه
--> ( 1 ) أي : ليرجعني إلى بيتي . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 2035 ) - وانظر أطرافه هناك - ومسلم ( 2175 ) .