ابن تيميه
128
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضا في منسك المروذي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن المسيب ويحيى بن سعيد ، وهذا كله يدل على التسويغ ، وأن هذا مما فعله بعض الصحابة ، فلا يقال : الفقد إجماعهم على تركه ؛ بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيئا من عنده ، وأما أن يقال : إن الرسول ندب إلى ذلك ورغّب فيه ، وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها ؛ فهذا يحتاج إلى دليل شرعي ، لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف . ولا يجوز أن يقال : إن اللّه ورسوله يحبّ ذلك أو يكرهه ، وإنه سنّ ذلك وشرعه ، أو نهى عن ذلك وكرهه ، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك ، لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك ؛ فيقال : لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه ، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير . ونظائر هذا متعددة ، واللّه أعلم . والمؤمن قد يتحرّى الصلاة أو الدعاء في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه وحصول خشوعه فيه ، لا لأنه يرى أن الشارع فضّل ذلك المكان ؛ كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك . فمثل هذا إذا لم يكن منهيا عنه لا بأس به ، ويكون ذلك مستحبا في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل ، كما إذا صلّى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون ، وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل ، لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه ، وهو أحبّ إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه أو لم يتيسر له ، فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص ، وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع ؛ كما ثبت أن الصلاة أفضل ، ثم القراءة ، ثم الذكر بالأدلة الشرعية ، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه ، كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر ، على الصلاة المنهيّ عنها في هذا الوقت ، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، وكفضيلة الدعاء في آخر الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء ، ونظائره متعددة ، وبسط هذا له موضع آخر . ولكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل إنه مستحبّ للأمة قد ندبهم إليه الرسول ورغّبهم فيه ، فلا بدّ له من دليل يدل على ذلك ، ولا يضاف إلى الرسول إلا ما صدر عنه ، والرسول هو الذي فرض اللّه على جميع الخلق الإيمان به ، وطاعته ، واتباعه ، وإيجاب ما أوجبه ، وتحريم ما حرّمه ، وشرع ما شرّعه ، وبه فرق اللّه بين الهدى والضلال ، والرشاد والغي ، والحق والباطل ، والمعروف والمنكر ، وهو الذي شهد اللّه له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم ، وأنه على صراط مستقيم . وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له ، في مثل قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ]