ابن تيميه
129
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته ، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته ، وبه يمتحنون في القبور ، قال تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] وهو الذي أخذ اللّه له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق ، أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدّقوه وينصروه ، وهو الذي فرّق اللّه به بين أهل الجنة وأهل النار ؛ فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة ، ومن كذّبه وعصاه كان من أهل النار ، قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ النساء : 13 ، 14 ] الآية . والوعد بسعادة الدنيا والآخرة والوعيد بشقاء الدنيا والآخرة معلّق بطاعته ، فطاعته هي الصراط المستقيم وهي حبل اللّه المتين ، وهي العروة الوثقى ، وأصحابها هم أولياء اللّه المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون ، والمخالفون له هم أعداء اللّه حزب إبليس اللعين ، قال تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [ الفرقان : 27 ] إلى قوله : خَذُولًا [ الفرقان : 29 ] . وقال تعالى : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [ الأحزاب : 66 ، 67 ] إلى قوله : لَعْناً كَبِيراً [ الأحزاب : 68 ] . وقال تعالى : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ آل عمران : 32 ] . وقال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] . وقال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ النور : 63 ] . وقال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ النساء : 69 ] وجميع الرسل أخبروا أن اللّه أمر بطاعتهم ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] ، يأمرون بعبادة اللّه وحده ، وخشيته وحده ، وتقواه وحده ، ويأمرون بطاعتهم ، كما قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [ النور : 52 ] وقال نوح عليه السلام : اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [ نوح : 3 ] وقال في سورة الشعراء : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ الشعراء : 126 ] وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط . والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان وزمان ، ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، سرّا وعلانية ، جماعة وفرادى ، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل من النفس ، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذّب بالرسول ، وتولّى عن طاعته ، كما قال تعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ الليل : 14 - 16 ] أي : كذّب به وتولى عن طاعته ، كما قال في موضع آخر : فَلا