ابن تيميه
125
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ليس فيها استحباب زيارة قبره ، مع ما يذكرونه من أحكام المدينة ، وإنما يذكر ذلك قليل منهم ، والذين يذكرون ذلك يفسّرونه بإتيان المسجد كما تقدم . ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهورا عند علماء الإسلام في كل زمان ، كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه ، كما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه ، فلا يكاد يعرف مصنّف للمسلمين في الحديث والفقه إلا وفيه ذكر الصلاة والسلام عليه ، وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده . ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه ؛ لم يقدر أحد منهم على أن يستدلّ في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف ؛ بل موضوع مكتوب . وليس معهم بذلك نقل عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين ، فلا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحبّ السفر إلى مجرّد زيارة القبور ، ولا السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، ولا السفر لمجرد زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده ، بل كثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد والصلاة فيه ، وهي الأمهات ؛ كالصحيحين ومسانيد الأئمة ، وغيرهما . وفيها ما فيه ذكر السلام عند الحجرة ، كما جاء عن ابن عمر ، وكما فهموه من قوله ، ومنها ما يذكر فيه لفظ زيارة قبره والصلاة في مسجده ، وفيها ما يطلق فيه زيارة قبره ويفسر ذلك بإتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه . وأما التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين ، ولا رأيت أحدا من علمائهم صرّح به ، وإنما غاية الذي يدّعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين . مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرّح بأنه لا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة ، أو أن السفر إلى غيرها منهيّ عنه ، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبّه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد . ولكن قد يقال : إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة . فيقال : هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور . فمن قال : إنه يستحبّ زيارة قبره كما يستحبّ زيارة سائر القبور ، وأطلق هذا ؛ كان ذلك متضمنا لاستحباب السفر لمجرّد القبر ، فإن الحجّاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه ، لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور به ، فامتنع أن يكون أحد من العلماء