ابن تيميه

126

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة ، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك ، لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه . ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم لم يسمّوا هذا زيارة لقبره ، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ، ودعاء له وثناء عليه في مسجده ، سواء كان القبر هناك أو لم يكن . ثم كثير من المتأخرين لما رويت أحاديث في زيارة قبره ظن أنها أو بعضها صحيح ، فتركّب من إجمال اللفظ ورواية هذه الأحاديث الموضوعة غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر ، وإلا فليس هذا قولا منقولا عن إمام من أئمة المسلمين . وإن قدر أنه قاله بعض العلماء كان هذا قولا ثالثا في هذه المسألة . فإن الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم قولان : النهي والإباحة . فإذا كان قول من عالم مجتهد ممن يعتدّ به في الإجماع إن ذلك مستحبّ صارت الأقوال ثلاثة ، ثم ترجع إلى الكتاب والسنة ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ النساء : 59 ] . والمقصود ؛ أن هذا كلّه يبيّن ضعف حجّة المفرّق بين الصادر من المدينة والوارد عليها ، والوارد على مسجده من الغرباء ، والصادر عنه ، وذلك أنه يمتنع أن يقال : إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين فيها ، فإن أولئك هم أفضل منه وخواصها ؛ وهم الذين خاطبهم بهذا ، فيمتنع أن يكون المعنى : من سلّم منكم يا أهل المدينة لم أردّ عليه ما دمتم مقيمين بها ! فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم ، وليس في الحديث تخصيص ، ولا روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ما يدل على ذلك . يبين هذا ؛ أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلّمون عليه ، إنما كان يردّ عليهم إذا سلموا . إن قيل : إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطيل للحديث . وإن قيل : كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلّموا من خارج ؛ فقد ظهر الفرق . وإن قيل : بل هو يرد على الجميع ؛ فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به ، وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلّم من خارج ؛ لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا ، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان ؛ وخلاف قول المفرّقين . ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أو لا يسافر إلا للحج ، والقادم قد يقيم بالمدينة العشر والشهر ، فهذا يرد عليه في اليوم والليلة عشر مرات وأكثر ، كلما دخل