ابن تيميه
124
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ومما يبين ذلك أن مسجده كسائر المساجد لم يختصّ بجنس من العبادات لا يشرع في غيره ، وكذلك المسجد الأقصى ، ولكن خصّا بأن العبادة فيهما أفضل ، بخلاف المسجد الحرام ، فإنه مخصوص بالطواف واستلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك ، وأما المسجدان الآخران فما يشرع فيهما من صلاة وذكر واعتكاف ، وتعلّم وتعليم ، وثناء على الرسول ، وصلاة عليه ، وتسليم عليه ، وغير ذلك من العبادات ، فهو مشروع في سائر المساجد ، والعمل الذي يسمّى زيارة لقبره لا يكون إلا في مسجده ، لا خارجا عن المسجد . فعلم أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات ، ولكن العبادة في مسجده أفضل منها في غيره ، لأجل المسجد لا لأجل القبر . ومما يوضّح هذا ؛ أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلّم باسم زيارة قبره ؛ لا ترغيبا في ذلك ، ولا غير ترغيب ، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم ، ولهذا كره من كره من العلماء إطلاق هذا الاسم ، والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه ، إما قريبا من الحجرة ، وإما بعيدا عنها ، إما مستقبلا للقبلة وإما مستقبلا للحجرة . وليس في أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم من احتج على ذلك بلفظ روي في زيارة قبره ، بل إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلا ، وهو أنه كان يسلّم ، أو بما روي عنه من قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « ما من رجل يسلم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » . وذلك احتجاج بلفظ السلام لا بلفظ الزيارة . وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره . أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء من ذلك ، بل يذكرون المدينة وفضائلها وأنها حرم ، ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ، ونذر ذلك ونحو ذلك من المسائل ، ولا يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره . فليس في الصحيحين وأمثالهما شيء من ذلك ، ولا في عامة السنن مثل : النسائي والترمذي وغيرهما ، ولا في مسند الشافعي وأحمد وإسحاق وأمثالهم من الأئمة . وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره ، كما روى مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يسلم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم وعلى أبي بكر وعمر . وكما قال أبو داود في « سننه » : باب ما جاء في زيارة القبر وذكر قوله : « ما من رجل يسلّم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » .