ابن تيميه
12
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وهذا الأصل متفق عليه بين كل من آمن به الإيمان الواجب الذي فرضه اللّه على الخلق ، وكل أحد عليه أن يتقي اللّه ما استطاع ، كما قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] . وهذا تبيين لقوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . قال ابن مسعود : « حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر » « 1 » . لكن الأمر مشروط بالاستطاعة كما بينه في قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . فقد يخفى على الإنسان بعض سنة الرسول وأمره مع اجتهاده في طاعته ، فلا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر » . أخرجاه في الصحيحين « 2 » . وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك كما يأثم إذا قال بخلاف ما يعلمه من الحق ، وفي السنن عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار » « 3 » . وقد ذمّ اللّه القول بغير علم ونهى عنه في غير موضع من كتابه . قال تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] وقال تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ [ الأعراف : 33 ] الآية وقال تعالى عن الشيطان : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 169 ] وقال فيها يخاطب به أهل الكتاب : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [ آل عمران : 66 ] الآية . وقال : أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ [ الأعراف : 169 ] . وقال : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [ النساء : 171 ] . وجعل العامل بغير علم كاذبا والصادق هو الذي يتكلم بعلم ، فقال تعالى : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الأنعام : 143 ] وقال تعالى : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 2 / 294 ) والطبراني في « المعجم الكبير » ( 9 / 92 / 8501 - 8502 ) وابن أبي حاتم كما في « تفسير ابن كثير » ( 1 / 505 ) وابن الجوزي في « نواسخ القرآن » رقم ( 93 ) - بتحقيقي - ، وغيرهم . من طريق : زبيد اليامي ، عن مرة بن شراحيل ، عن عبد اللّه بن مسعود موقوفا . وقال الهيثمي في « المجمع » ( 6 / 326 ) : « رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح ، والآخر ضعيف » . وصحّح إسناده موقوفا ؛ الحافظ ابن كثير في « تفسيره » ( 1 / 505 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 7352 ) ومسلم ( 1716 ) . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 3573 ) والترمذي ( 1322 ) والنسائي في « الكبرى » ( 3 / 462 / 5922 ) وابن ماجة ( 2315 ) والحاكم ( 4 / 90 ) والبيهقي ( 10 / 116 ) والطبراني في « المعجم الكبير » ( 2 / 20 - 21 ، 1154 - 1156 ) . من طرق : عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه ؛ بريدة بن الحصيب . والحديث صحيح بمجموع طرقه كما تجده في « الإرواء » ( 2614 ) .