ابن تيميه

13

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

[ البقرة : 111 ] . لا سيما أهل الشرك فإنه وصفهم بالإفك مع الشرك ، وقرن الكذب بالشرك كما قرن الصدق بالإخلاص ، ولهذا يقرن بين المنافقين أهل الكذب وبين المشركين في مثل قوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إلى قوله : وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [ الفتح : 4 - 6 ] . وقال تعالى : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ [ الحج : 30 ، 31 ] . وقال عن أهل الكهف : هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ [ الكهف : 15 ] الآية . وقال عن الخليل : إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] . وقال لأبيه وقومه : ما ذا تَعْبُدُونَ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [ الصافات : 85 ، 86 ] ومثل هذا مذكور في غير موضع من القرآن . وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك جهلا وضلالا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع . [ مدار الدين على توحيد اللّه تعالى ] واللّه سبحانه وتعالى قد أرسل جميع رسله وأنزل جميع كتبه بأن لا يعبد إلا اللّه وحده لا شريك له ، لا يعبد معه لا ملك ولا نبيّ ولا صالح ، ولا تماثيلهم ولا قبورهم ، ولا شمس ولا قمر ولا كوكب ، ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم ولا شيء من الأشياء ، وبيّن أن كل ما يعبد من دونه فإنه لا يضر ولا ينفع ، وإن كان ملكا أو نبيا ، وأن عبادته كفر ، فقال تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا إلى قوله : مَحْذُوراً [ الإسراء : 56 ، 57 ] بيّن سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون كشف الضرّ ولا تحويله ، وأن هؤلاء المدعوون « 1 » من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى اللّه ويرجونه ويخافونه ، وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالا من الجن فآمنت الجن المعبودون ، وبقي عابدوهم يعبدونهم ، كما ذكر ذلك ابن مسعود « 2 » . وقال تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ إلى قوله : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ سبأ : 22 ، 23 ] . بيّن سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السماوات والأرض ، ولا لهم نصيب فيهم ، وليس للّه نظير يعاونه من خلقه ، وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين ؛ إما أن يكون لغيره ملك دونه ، أو يكون شريكا له ، أو يكون معينا وظهيرا له . والربّ تعالى ليس له من خلقه مالك ولا شريك ولا ظهير . لم يبق إلا الشفاعة ؛ وهو دعاء الشافع وسؤاله للّه في المشفوع له . فقال تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ . ثم إنه خصّ بالذكر الملائكة

--> ( 1 ) كذا ، والصواب : المدعوين . ( 2 ) انظر « صحيح البخاري » ( 4714 - 4715 ) و « صحيح مسلم » ( 3030 ) .