ابن تيميه
117
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فالمعبودون من دون اللّه سواء كانوا أولياء كالملائكة والأنبياء والصالحين ، أو كانوا أوثانا ؛ قد تبرّءوا ممّن عبدهم وبيّنوا أنه ليس لهم أن يوالوا من عبدهم ولا أن يواليهم من عبدهم ، فالمسيح وغيره كانوا برآء من المشرك بهم ومن إثمه ، لكن المقصود بيان ما فضّل اللّه به محمدا وأمته وأنعم به عليهم من إقامته التوحيد للّه ؛ والدعوة إلى عبادته وحده ، وإعلاء كلمته ودينه ، وإظهار ما بعثه اللّه به من الهدى ودين الحقّ ، وما صانه اللّه به وصان قبره من أن يتّخذ مسجدا . فإن هذا من أقوى أسباب ضلال أهل الكتاب ، ولهذا لعنهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم على ذلك تحذيرا لأمته ، وبيّن أن هؤلاء شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة . ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه وأطوعهم له ؛ لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم ، لا في أمر القبور ولا غيرها ، فلا يعرف من الصحابة من كان يتعمّد الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان فيهم من له ذنوب ، لكن هذا الباب مما عصمهم اللّه فيه من تعمّد الكذب على نبيّهم ، وكذلك البدع الظاهرة المشهورة ؛ مثل بدعة الخوارج ، والروافض ، والقدرية « 1 » ، والمرجئة « 2 » ، لم يعرف
--> ( 1 ) القدرية : هم أتباع معبد الجهني ، وغيلان الدمشقي ، والجعد بن درهم ، وسمّوا بالقدرية من باب تسمية الشيء بضده ، فهم نفاة القدر والمشيئة عن اللّه ، وزعموا أن العبد مستقل بإرادته وقدرته ، ليس للّه في فعله مشيئة . وهم مجوس هذه الأمة بنص حديث النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وسمّوا بذلك لأنهم يشبهون المجوس القائلين بأن للعالم خالقين : النور يخلق الخير ، والظلام وهو يخلق الشر . وكذلك القدرية قالوا : إن للحوادث خالقين ، فالحوادث التي من فعل العبد يخلقها العبد ، والتي من فعل اللّه يخلقها اللّه . انظر « الفرق بين الفرق » ( ص 14 ) و « مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين » ( 4 / 229 - وما بعدها ) . ( 2 ) الإرجاء في اللغة : يأتي بمعنى التأخير ، أو بمعنى : إعطاء الرجاء . والمرجئة : هم الذين قالوا بإرجاء الأعمال عن الإيمان ، أي : أن الإيمان مجرد التصديق ، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان ، ثم فرعوا على ذلك فروعا . وهم فرق كثيرة ، ولهم اعتقادات أخرى . انظر عنهم : « الملل والنحل » ( 1 / 161 - وما بعدها ) - المعرفة - و « الفرق بين الفرق » ( ص 151 ) و « مقالات الإسلاميين » ( 1 / 213 - وما بعدها ) و « فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام » ( 2 / 923 - وما بعدها ) . تنبيه : لم أجعل من مراجعي عن المرجئة هنا كتاب الشيخ سفر الحوالي « ظاهرة الإرجاء » مع ما فيه من نبذ عن المرجئة ، وبعض الفوائد - وهذا لا يخلو منه كتاب - وذلك أن الكتاب فيه تقرير لبعض مناهج الخوارج والقطبيين ومدح لرموزهم ، وفيه طعن بالعلماء السلفيين - وعلى رأسهم المحدث الألباني - هذا أولا . وثانيا : أن العلماء قد حذّروا من هذا الكتاب ؛ فقد قال عنه المحدث الألباني - رحمه اللّه - : « هذا كتاب غاية في السوء ، ما كنت أظنّ أن الأمر يصل بصاحبه إلى هذا الحد » . انظر : « مع شيخنا ناصر السنة والدين » للشيخ علي بن حسن الحلبي سلّمه اللّه من كل سوء ص 49 . وللشيخ الألباني ردّ على هذا الكتاب ، يسّر اللّه طبعه ونشره . وانظر « مسائل علمية في الدعوة والسياسة الشرعية » للشيخ علي بن حسن - حفظه اللّه وأيّده - ص 30 - 31 .