ابن تيميه
118
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
عن أحد من الصحابة شيء من ذلك ، بل النقول الثابتة عنهم تدلّ على موافقتهم للكتاب والسنة . وكذلك اجتماع رجال الغيب بهم أو الخضر أو غيره ، وكذلك مجيء الأنبياء إليهم في اليقظة ، وحمل من يحمل منهم إلى عرفات ، ونحو ذلك مما وقع فيه كثير من العباد ، وظنوا أنه كرامة من اللّه ، وكان من إضلال الشياطين لهم ما لم تطمع الشياطين أن توقع الصحابة في مثل هذا ، فإنهم كانوا يعلمون أن هذا كله من الشيطان ، ورجال الغيب هم الجن ، قال تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [ الجن : 6 ] . وكذلك الشرك بأهل القبور ، لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه ، فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر يسافر إليه ولا يقصد للدعاء عنده ، أو لطلب بركة شفاعته ، وغير ذلك ، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل صلى اللّه عليه وسلّم وقبره عندهم محجوب - لا يقصده أحد منهم لشيء من ذلك ، وكذلك التابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين . وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول عند قبره ؛ منهم من نهى عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه ، ومنهم من رخّص في هذا وهذا . وأما دعاؤه هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته ؛ فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين الأربعة ولا غيرهم . بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك . أما مالك رضي اللّه عنه فقد قال القاضي عياض : وقال مالك في « المبسوط » : لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم يدعو ، لكن يسلّم ويمضي . وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن إسحاق في « المبسوط » قال : وقال مالك : لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم يدعو ، ولكن يسلّم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم وعلى أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، ثم يمضي . وقال مالك رضي اللّه عنه ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول : « السلام عليك يا رسول اللّه ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت - أو يا أبتاه - » . ثم ينصرف ، ولا يقف يدعو . فرأى مالك ذلك من البدع . قال : وقال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلّم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ودعا يقف ووجهه إلى القبر ، لا إلى القبلة ، ويدنو ويسلّم ولا يمسّ القبر بيده . فقوله في هذه الرواية : « إذا سلّم ودعا » قد يريد بالدعاء السلام ؛ فإنه قال : « يدنو ويسلّم ولا يمسّ القبر بيده » ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب : يقول السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، وقد يريد ؛ أنه يدعو له بلفظ الصلاة ، كما ذكر في الموطأ من رواية عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر ؛ أنه كان يصلي على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم وعلى