ابن تيميه
113
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم ؛ والرقية دعاء ، فكيف بما هو أبلغ من ذلك ؟ ومعلوم أنه لو اتّخذ قبره عيدا ومسجدا ووثنا وصار الناس يدعونه ويتضرعون إليه ، ويسألونه ويتوكلون عليه ، ويستغيثون ويستجيرون به ، وربما سجدوا له وطافوا به ، وصاروا يحجون إليه ؛ وهذه كلها من حقوق اللّه وحده لا يشركه فيها مخلوق ، فكان من حكمة اللّه دفنه في حجرته ، ومنع الناس من مشاهدة قبره والعكوف عليه ، والزيارة له ، ونحو ذلك ، لتحقيق توحيد اللّه وعبادته وحده لا شريك له ، وإخلاص الدين للّه . وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين فلا يجعل ذلك عندها ، وإذا قدّر أن ذلك فعل عندها ؛ منع من يفعل ذلك ، وهدم ما يتخذ عليها من المساجد . وإن لم تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته فعل ذلك ، كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال « 1 » . وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته ؛ فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أحد ، هو الدعاء لهم ، كما كان هو يفعل ذلك إذا زارهم ، وكما سنّه لأمته ، فلو سنّ للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له ، كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانا - وبيّن مالك أنه بدعة لم يبلغه عن صدر هذه الأمة ، ولا عن أهل العلم بالمدينة ، وأنها مكروهة ، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها - لكان بعض الناس يزوره ، ثم لتعظيمه في القلوب ، وعلم الخلق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاها ، وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه ؛ يدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأغراضها وتعرض عن حقه الذي هو له من الصلاة والسلام عليه والدعاء له ، فإن الناس مع ربهم كذلك ، إلا من أنعم اللّه عليه بحقيقة الإيمان ، إنما يعظّمون اللّه عند ضرورتهم إليه ، كما قال تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [ يونس : 12 ] الآية . وقال تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 67 ] الآية . وقال تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ [ الزمر : 8 ] الآية . ونظائر هذا في القرآن متعددة . فإذا كانوا إلا من شاء اللّه ؛ إنما يعظمون ربهم ويوحّدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم ، ولا يعرفون حقّه إذا خلّصهم فلا يحبّونه ويعبدونه ، ولا يشكرونه ولا يقومون بطاعته ، فكيف يكونون مع المخلوق ؟
--> ( 1 ) انظر « البداية والنهاية » ( 2 / 37 - 38 ) و « دلائل النبوة » للبيهقي ( 1 / 381 ) . وقال الحافظ ابن كثير : « إسناده صحيح إلى أبي العالية » .