ابن تيميه

114

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم ، وذلك مقدّم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين ، فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبيّ أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وجاهه وشفاعته ؛ أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم ، كما هو الموجود في عامة الذين يحجّون إلى القبور المعظّمة ويقصدونها لطلب الحوائج ، فلو أذن الرسول لهم في زيارة قبره ومكّنهم من ذلك ؛ لأعرضوا عن حقّ اللّه الذي يستحقّه من عبادته وحده ، وعن حقّ الرسول الذي يستحقّه من الصلاة والسلام عليه والدعاء له ، بل ومن جعله واسطة بينهم وبين اللّه في تبليغ أمره ونهيه وخبره . فكانوا يهضمون حقّ اللّه وحقّ الرسول ، كما فعلت النصارى ، فإنهم بغلوّهم في المسيح تركوا حقّ اللّه من عبادته وحده ، وتركوا حقّ المسيح ، فهم لا يدعون له ؛ بل هو عندهم ربّ يدعى ، ولا يقومون بحق رسالته ؛ فينظرون ما أمر به وما أخبر به ، بل اشتغلوا بالشّرك به وبغيره ، وطلب حوائجهم ممن يستشفعون به من الملائكة والأنبياء ، وصالحيهم ، عما يجب من حقوقهم . وأيضا فلو جعلت الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة ، كما قد يكون الدعاء للميت عند قبره أفضل ؛ لكانوا يخصّون تلك البقعة بزيادة الدعاء له ، وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له ، فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول ، كما يجتهد فيه في المكان الفاضل ، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول في كل مكان ، وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقص إيمانا وقياما بحقّه ، من المجاور لقبره ، وقال لهم صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيث كنتم ، فإن صلاتكم تبلغني » . وقد شرع لهم أن يصلّوا عليه ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذّن حيث كانوا ، وأن يسلّموا عليه في كل صلاة ، ويصلّوا عليه في الصلاة ، ويسلّموا عليه إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا منه ، فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان ، وهو يوجب من القيام بحقّه ، ورفع درجته ، وإعلاء منزلته ، ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل ، ولا إذا سوّي بين قبره وقبر غيره ، بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه بفعل ما شرعه وسنّه لأمته ، من واجب ومستحبّ ، وهو أن يقوموا بحقّ اللّه ثم بحق رسوله حيث كانوا ؛ من المحبة والموالاة والطاعة ، وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء ، وغيره ذلك . ولا يقصدون تخصيص القبر لما يفضي إليه ذلك من ترك حقّ اللّه وحق رسوله . فهذا وغيره مما يبين أن ما نهي عنه الناس ومنعوا منه ، وكان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره ، وإن كانت زيارة قبره غير مستحبة ؛ فهو أعظم لقدره ، وأرفع لدرجته ، وأعلى في منزلته ، وإن ذلك أقوم بحق اللّه ، وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له ، وإخلاص الدين له ، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله . وإن أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه ، بل ما نهى عنه ، وخالفوا الصحابة