ابن تيميه
104
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين ، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم ، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما ، فإن الغلط في هذا قليل ، ليس هو مثل تصحيح الحاكم ، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة ، فلهذا انحطّت درجته عن درجة غيره . فهذا عليّ بن الحسين زين العابدين « 1 » وهو من أجلّ التابعين علما ودينا ، حتى قال الزهري : ما رأيت هاشميا مثله ، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه : « لا تتخذوا بيتي عيدا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم » . وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته ، كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته ، بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا وهذا . وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد اللّه بن نافع ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم » « 2 » .
--> ( 1 ) هو الإمام الزاهد السيد علي بن الإمام سبط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام أجمعين . ولد سنة ثمان وثلاثين ( 38 ) . حدّث عن أبيه السبط الشهيد الحسين عليه السلام ، وشهد معه كربلاء ، لكنه كان موعوكا فلم يقاتل ، ولم يتعرضوا له ، بل أحضروه مع آله إلى دمشق ، وكان له من العمر آنذاك ثلاثا وعشرين سنة . كان إذا أراد أن يتوضأ اصفرّ لونه ، وإذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : تدرون بين يدي من أقوم ، ومن أناجي ؟ ! وكان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتّبع المساكين في الظّلمة ، ويقول : إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب . وكان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين ، فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل . ولما مات وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل والمساكين . قلت : هكذا كان أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أتقياء أصحاب ورع ، يذهبون بأنفسهم في الظلام يتفقدون المساكين . أما من يسمّون اليوم ب « الأسياد » ويدّعون نسبتهم إلى أهل البيت ، فيجلسون في أحسن القصور ويركبون أفخم السيارات ، والناس تأتيهم بالأموال تدفعها لهم باسم « الخمس » ! وباسم حق الرسول ! فإنا للّه وإنا إليه راجعون . توفي الإمام زين العابدين سنة أربع وتسعين ( 94 ) . ترجمته في : « طبقات ابن سعد » ( 5 / 211 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 4 / 386 ) و « تذكرة الحفاظ » ( 1 / 70 ) و « البداية والنهاية » ( 9 / 103 ) و « النجوم الزاهرة » ( 1 / 229 ) و « سير السلف الصالحين » ( 3 / 867 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 2 / 367 ) وأبو داود ( 2042 ) . وإسناده حسن ؛ لأجل عبد اللّه بن نافع ، ففي حفظه لين كما ذكر المصنف هنا . -