الغزالي
87
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
وأفضل منها يصنع ، لأني ماض إلى الأب » هذا آخر كلامه « 1 » . فأقول : هذا النص كالنص الذي أنكر اليهود إطلاقه ، واعتذر عنه ضاربا لهم المثل ، وقد مضى القول فيه مبيّنا ، وزاده هاهنا بيانا ، وصنع « 2 » فيه ما عادته أن يصنعه ؛ وهو أنه - صلوات اللّه عليه - لم يأت قطّ بلبسة إلا وأتبعها كاشفا يظهر خفاءها ، وبيان ذلك : أنه حين سئل « 3 » أن يريهم الإله ، وكان ذلك / مما لا يمكن إسعافهم به ، عدل عن مسئولهم ، قائلا : « من رآني فقد رأى الأب » . يريد أن الإله ، لما كانت رؤيته غير ممكنة للعباد « 4 » ، أقام للأنبياء في تبليغهم أحكامه مقام نفسه ، وهذا شأن الملوك المحتجبين ، فبأمره يأمرون ، وبنهيه ينهون ، وبأحكامه يحكمون . ثم صرّح بعدم إرادة ظاهر هذا اللفظ ، فقال : « وهذا الكلام الذي أتكلم ، ليس هو من عندي » ثم بالغ في البيان ، فقال : « بل أبي الذي هو حال فيّ يفعل هذه الأفعال » . يريد أن أقواله / ليست للإله ؛ بقيد كونها مفردة ، بل وأفعاله . أي : وكل كلام صدر منّي متضمنا حكما ؛ فهو من اللّه ، لأني عنه أخبر ، وكل ما ترونه من الأفعال الباهرة للعقول ، الناطقة بخوارق الأنبياء ؛ فذلك فعله ، لأنه واقع بقدرته . وقد سلف منا تصريح بولص الرسول بما يعضد هذا التأويل ، وذكرنا
--> ( 1 ) سبق ذكر هذا النص في الكتاب . ( 2 ) في المطبوع : [ وضع ] ! ( 3 ) في المطبوع : [ طلب ] . ( 4 ) هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فإن المؤمنين يرون ربهم جلّ وعلا ، كما قال جلّ شأنه : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] . وكما قال النبي صلوات اللّه وسلامه عليه : « إنكم ترون ربكم عزّ وجلّ يوم القيامة كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته » أخرجه البخاري في « صحيحه » رقم ( 7436 ) ، وغيره . ولمزيد من الفائدة حول هذا الموضوع ، ننصح القارئ بالرجوع إلى كتاب « الشريعة » للآجري ، ( كتاب التصديق بالنظر إلى اللّه عز وجل ) في أول المجلد الثاني من الكتاب ، طبعة مؤسسة قرطبة ، بتحقيق : الوليد بن محمد بن نبيه سيف النصر .